والإبريق . وقال له : أفرغ الماء على يدي كما كنت تفرغه على يد الملك ، وففعل فقال له :
إذا صببت الماء على يدي الملك بعد هذا فلا تضيق الماء عليه . وحين يمسح شفتيه بالطيب فلا تقطع الماء بل استمر على إفراغه رهوا رهوا كما كنت تفرغه . فأخذ ذلك بمجامع قلب الشاب . ولما قدم الطست في اليوم الثاني إلى الملك فعل ما أمره به بزرجمهر . فارتضى الملك فعله وقال : أي شيء قال لك بزرجمهر غير هذا ؟ ثم قال له : قل له لم آثرت الانحطاط من تلك المنزلة الرفيعة والمرتبة الجليلة بسوء خلقك وخبث أصلك ؟ فانصرف الشاب وبلغ بزرجمهر قول الملك . فقال في الجواب :
أنا في السر الجهر أحسن حالا من الملك بكثير . فعاود الحضرة وبلغه ذلك الجواب . فاغتاظ من كلامه وأمر بأن يقيد ويجعل في جب . ثم بعد مدّة أخرى قال لذلك الغلام : كيف حال ذلك الشقىّ ؟ فجاء الغلام وأخبره بما قال الملك . فقال : إن يومى من يوم الملك أوفق ، وحالي من من حاله أرفق . فعاد الشاب وبلغ الملك جوابه . فتنمر واحتدم من الغيظ وأمر به فحبس في تنور من الحديد مسمر من باطنه بمسامير محدّدة . فبقى على حالته هذه نابى الجنب كاسف الحال مدّة أخرى . فقال أنوشروان لغلامه : سل ذلك الخبيث عن حاله . فسأله فلم يجبه إلا بالجواب الأوّل .
فانصرف الغلام وأعلمه بذلك . فازداد تغيظا وتنمرا ، ونفذ اليه موبذا مع صاحب سيفه ، وأمره بأن يسأله عن معنى قوله أن حاله في حبسه ، مع ما هو فيه من الشدّة والضيق ، أوفق من حال الملك على تخته . وقال : إن لم يأت بجواب لائق ضربت رقبته . فجاء الموبذ وسأله عن ذلك ، فقال :
إن الشدّة والرخاء ينتهيان . والانتقال عن الشدّة والبلاء إلى دار البقاء هين يسير . والانتقال عن التاج والتخت عن دار الفناء صعب عسير . فرجع الموبذ وأعلم أنوشروان بما قال : فتأثر بقوله وفزع من صرف الزمان وريبه فأمر به فأخرج من محبسه ، وأعيد إلى قصره . ولم يزل على حاله وإلى أن دارت عليه أدوار من الدهر فكف بصره ، وضعف جسمه .
إرسال قيصر الروم درجا مقفلا لأنوشيروان وإطلاق بزرجمهر ليخبر بما فيه
قال : فورد في ذلك العهد رسول من عند قيصر ملك الروم ومعه تحف كثيرة وهدايا فاخرة .
وفي جملتها صندوق مقف مختوم . فقال الرسول : إن قيصر يقول إن على أبواب الملك جماعة من العلماء ، والموابذة فليسألهم الملك عما هو مخبوء في هذا الدراج المختوم . فان أخبروا به التزمنا الخراج .
وإن عجزوا فلا يطالبنا بشيء . فقال أنوشروان : إنا سنخبر عن ذلك بعون اللّه وقوّته . وأمر بإنزال الرسول فأحضر العلماء والموابذة وأمرهم أن يخبروا عما يحتوى عليه ذلك الدرج فعجزوا عنه .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 158
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٥٨