فأرسل إلى بزرجمهر ، واعتذر اليه عما سبق منه اليه ، ونفذ اليه دست ثوب من ملابسه ، وأمره بالحضور . فاستحم بزرجمهر وتنظف ، وبات ليلته بين يدي ربه باكيا ساجدا . ولما أصبح أحس باقبال السعادة عليه ورجوع الدولة اليه . فركب واستصحب بعض ثقاته من العلماء وأمره بأن يخبره بأوّل من يراه في طريقة ولا يسأله عن اسمه وحاله . فكان أوّل من التقاه المرأة حسناء صبيحة الوجه . فأخبر بزرجمهر فقال له : سل المرأة هل لها زوج . فسألها فقالت : لي رو وولد . فلما سمع ذلك اهتر على ظهر الفرس . ثم سار فالتقته امرأة أخرى جميلة المنظر فأمر صاحبه فسأل المرأة .
هل لها زوج وولد ؟ فقالت : نعم لي زوج ولكن ليس لي ولد . ثم ظهرت له امرأة أخرى فسألها عن الزوج والولد فقالت : إني جارية عذراء لم يمسنى بشر . فاستمر بزرجمهر في طريقه حتى دخل على الملك . فأمر بتقديمه إلى خدمة التخت . ولما رآه مكفوفا عظم عليه ذلك واهتم من أجله .
ثم اعتذر اليه واسترضاه . ثم فاوضه في رسالة قيصر واقتراحه . فدعا للملك وأثنى عليه وقال : إن أظلمت العين وفالقلب منوّر بسعادة الملك . سأكشف القناع عن وجه هذا السر وأظهره للمحاضرين ، وأجلوه للناظرين . فارتاح الملك لقوله واستبشر ، وتهلل وجهه ، وانصاف ظهره . فأحضر جميع الموابذة والعلماء . وأمر بإحضار الرسول . فلما حضر أمره أن يعيد الرسالة بين يدي بزرجمهر .
فشرع الرسول وأعادها فتصدّى بزرجمهر وحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم دعا للملك ثم قال : إن في هذا الدرج درارا ثلاثا . إحداهما مثقوبة ، والثانية نصفها مثقوب ، والثالثة بكر لم تثقب ، ولم يسمها حديد .
فلما سمع الرسول مقاله أحضر مفتاح الصندوق وفتحوه فإذا فيه ثلاث درر كما وصف بزرجمهر فتعجب الحاضرون من نور بصيرته وكمال ذكائه فنثروا عليه الجواهر ، وأمر الملك فحشى فوه باللآلئ .
وندم على ما عامله به من قبل ، وضاق صدره حتى بان في وجهه أثر الهم ّ والأسف . فلما علم بزرجمهر بذلك ذكر للملك . ما جرى عليه في ذلك المتصيد من نزول الطائر الأسود والتقاطه جواهر الدملج وابتلاعه إياها ، ودعا للملك . ثم انفض المجلس .
ذكر نبذ من توقيعات أنوشروان
قال صاحب الكتاب : إن الملك وإن كان شامخ الأنف طامح الطرف فلن يتحلى إيوانه إلا بالوزير ، ولن تستقيم أموره إلا بالدستور . ولا تشغل للملوك غير الصيد والطرد ، والعيش والطرب ، وحضور الوقائع عند الحاجة ، والإحسان إلى الرعية والترفرف عليهم بجناح الرأفة والرحمة ، ثم الوقوف
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 159
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٥٩