والمسؤول أن يأمر الخازن بإحضاره . فعظم ذلك على الملك وقال لبزرويَه : إنه لم يطلب أحد هذا الكتاب ، ولا وقف عليه ، ولكن لو طلب منا الملك أنوشروان أرواحنا لم نبخل عليه . ثم أمر بإحضاره بين يديه ، وشرط عليه ألا يكتب منه شيئا ، ويقنع بمطالعته . فكان كل يوم يحضره ويطالع من الكتاب بابا ويحفظه ويكرر عليه في نفسه . فإذا رجع إلى بيته كتب الباب الذي حفظه ، ونفذه إلى أنوشروان . ولم يزول ذلك دأبه حتى أتى على جميع الكتاب .
قال : وأتاه كتاب أنوشروان باستكمال أبواب الكتاب أجمع وحصول بحر العلوم لديه . فاستأذن برزويه عند ذلك ملك الهند بانصراف إلى حضرة أنوشروان . فخلع عليه وأعطاه عطايا كثيرة ومالا وافرار ، وصرفه إلى خدمة أنوشروان . فخرج الحكيم من قنّوج صاعد النجم ، عالي الجدّ ، مقرون الحاجة بالنجاح ، فائزا فوز المعلىّ من القداح . فلما حصل عند أنوشروان أكرمه وأعزه ، وشكر به سعيه ، وخيره في جميع ما تشتمل عليه خزائنه . فلم يختر غير دست من الملابس الخسروانية الخاصة فلبسها ودخل عليه . وقال له الملك : ما بالك لم تلبس الطوق والسوار ، واقتصرت من كنوزنا على هذا القدر ؟ فقبل بروزيه الأرض بين يديه وقال : من لبس خلعة الملك فقد تسنم تخت الجلال واستولى على أمد الكمال ، وأرغم أنف الحاسد الكاشح ، وأقر عين الوالي الناصح . وإن حاجتي عند الملك أن يأمر بُزُرجِمهر ، إذا حرر هذا الكتاب للخزانة ، أن يفتحه بيات يشتمل على ذكر العبد حتى يبقى اسمه بعد موته بين الخلق . فقال أنوشروان : إن هذه أمينة عظيمة ، ولكنا لا ندفع في نحر مرادك ، ونسعفك بذلك . ثم أمر بزرجمهر أن يصدر الكتاب بباب يشتمل على ذكر برزويه الطبيب . ففعل ونقل الكتاب بعباراته البارعة وألفاظه الساحرة باللسان الفهلوى إلى البياض الخسروى .
وبقي كذلك إلى زمان أمير المؤمنين المنصور ثاني الأئمة الهاشمية . فإنه أمر عبد اللّه بن المقفع فنقله إلى اللسان العربي . ثم لما ملك نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى أمر وزيره أبا الفضل البلعمي فنقله إلى اللسان الفارسي نثرا . ثم أمر الرودكى الشاعر فنظمه أراجيز باللسان العجمي أيضا .
قلت : فبقى الكتاب بالعبارة الفارسية القديمة إلى زمان السلطان بهرامشاه بن مسعود بن إبراهيم ابن مسعود بن محمود بن سبكتكين رضي اللّه عنهم . فتصدّى أبو المعالي نصر اللّه بن محمد بن عبد الحميد الكاتب الغزنوي فحرره بألفاظه الزاهرة وعباراته الباهرة ، ورصعه باستعارات تروق
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 156
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٥٦