الفرسان في آلات الضراب والطعان ، وأسرجوا الفيلة لركوب الملكين .
نصائح ومواعظ كو لأخيه طلخند ليتراجع عن الحرب معه
ثم لما اصطف الفريقان وتقبل الجمعان أدركت الرفة جوّا حتى كاد يحترق جوى . فأرسل إلى أخيه أحد ثقاته ينصحه على لسانه ويسأله أن يكف من عنانه ويشتغل بإصلاح الفاسد ، ولا يغتر بمقالة الكاشح والحاسد ، على أنه يقسم الممالك فيكون له ما يختار منها ويريد . فأبى طلخند إلا التمادي في غيه والاستمرار على غُلَوائه .
وكان من جوابه أن قال : لا كان يوم أسك فيه هذا المسالك أو أرضى منك بقسمة الممالك . فعظم ذلك على جوّ فاستحشر وزيره وسأله عن وجه التدبير في كف أخيه عن مغامسة القتال ، والتعرّض لسفك دماء الأبطال . فقال : إنه ، على ما أرى من أحكام النجوم ، لا تطول مدّته . فداره بأبلغ ما يمكن ، وولّه جميع الممالك ، وحكّمه في جميع الذخائر والخزائن ، وارض من الملك بتاج وخاتم .
فاختار رجلا موسوما بالعقل والذكاء ، وأرسله إلى طلخند ، وامره أن يقول له : إن أخاك موجع القلب مما أنت مصر عليه من المنابذة . ولا ينسب ذلك إلى إلى دستورك الذي هو العادل بك عن سواء الطريق . ولا يخفى عليك أن حوالينا جماعة من الأعداء مثل ملك كشمير وبغبور وغيرهما .
ومهما تقاتلنا على التاج والتخت قرفونا بكل سوء ، وأطلقوا فينا الألسنة ، وزعموا أنا لسنا من أصل في أن تجنح إلى مصالحة أخيك الأكبر تكون بذلك محمودا عند ملوك البحر والبر . وقد نصحتك إن قبلت . وإن لم تقبل ستندم حين لا يغنى الندم ، وتعض على يديك حين تزل بك القدم . فأتاه الرسول وأدّى اليه الرسالة فما نجعت فيه تلك المقالة . وكان من جوابه أن قال : قل له من أنت ؟ ومن أين لك التاج والتخت حتى تمن بهما علىّ وتفوّضهما الىّ ؟ وما أراك إلا وقد أطلت الأمل حين شارفت الأجل ، وأنك حين رأيت الأمر إمرا أخذت تخادعنى حيلة ومكر . وجعلت الرسل تتردّد بينهما إلى أن أمسوا .
حرب كو لأخيه طلخند
فنزل العسكران في مواضعهما ، وخندق كل واحد منهما حوالي معسكره ، وبث الطلائع إلى أن تبلج الإصباح . فارتفعت أصوات الكوسات من الجانبين ، وتراءت أعلام الملكين .
وترتبت الميامن والمياسر ، ووقف كل واحد منهما في قلب عسكره وبجنبه وزيره ودستوره . فأمر جوّ دستوره أن يأمر أصحابه بألا يبدءوا بالقتال ، ويقول لهم : إذا رزقتن الظفر فلا تسفكوا الدماء ومن وصل منكم إلى موكب طلخند فينبغي أن يضع خده بين يديه على الرغام ، ولا ينظر اليه إلا بعين الإكبار والإعظام . وأما طلخند فإنه أوصى رجاله بخلاف ذلك ، وأمرهم بالقتل والنهب والقبض على أخيه وحمله أسيرا مكتفا اليه .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 152
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٥٢