أكثر من هذا القدر . وإن خالفت لم آمن غضبه . فربض علماء حضرة الرأي حَجرة ، واعترفوا بالعجز وقالوا : إنا لا نهتدى إلى حل هذا المشكل . فتصدّى بُزُرجِمِهر عند ذلك ولعب بالنرد بين يدي الرأي . فتعجب الحاضرون منه وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء له والثناء عليه . فأوقر عند ذلك ملك الهند ألفي حمل من نفائس بلاده مع خراج سنة ، ونفذ الكل إلى خزانة أنوشروان . وخلع على بزرجمهر ما كان عليه من خاص ثيابه مع تاج رفيع أمر بإحضاره له من خزانته . فعاد إلى حضرة أنوشروان ومعه كتاب ملك الهند بشهادة جميع علماء بلاده بأنه ليس على وجه الأرض مثل أنوشروان ملك ، ولا كعالمه عالم . ولما شارف بزرجمهر حضرة الملك أمر جميع أكابر حضرته وأركان دولته بالخروج لا استقباله . فتلقوه بأتم إعظام وإجلال . ولما وصل دخل في علي الملك فاعتنقه وأكرمه وسأله عما ناله من مشقة الطريق وما تحمله من تعب السفر . ثم سرد على الملك حكاية ما جرى عند ملك الهند فاستبشر أنوشروان بذلك وحمد اللّه وأثنى عليه وشكره على ما أنعم به عليه من حصول عالم مثل بزرجمهر لديه . والسلام .
ذكر السبب في وضع الشِطرنَج
قصة كو وطلخند واختراع الشطرنج
قال صاحب الكتاب : كان في بلاد الهند في ذلك الزمان ملك يسمى جَمهور . وكان له الأمر على تلك الممالك من حد كشمير إلى أرض الصين . وكانت مدينته سندَلى دار ملكه ومستقر جنوده ومخبأ خزائنه . وكانت له زوجة من بنات الملوك موصوفة بالرأي والعقل . فرزق منها ولدا وسماه كوًا فمات الملك بعد ولادة هذا الابن عن قريب ، وأوصى إلى زوجته . فاجتمعت الجنود عليها وبقيت تنهى وتأمر . وكان لزوجها أخ اسمه ماى وكان يسكن مدينة زنبر . فقدم وتزوّج بزوجة أخيه ، وقعد مقعده من سرير السلطنة ، واجتمعت عليه العساكر . فكان يدبر أمورهم ويسوس جمهورهم . فرزق منها ابنا وسماه طلخند . فمات بعد سنتين من ولادة هذا الصبى . فاجتمعت العساكر واتفقت كلمتهم على تقديم زوجة الملك والرضى بسلطنتها . فأرسلوا إليها وأشاروا عليها بأن تتقلد الأمر وتقوم بالملك وكفالة الولدين إلى أن يصلح أحدهما للتقدّم والسلطنة . وكان أحد الولدين ابن سبع سنين والآخر ابن سنتين . فتسنمت الملكة تخت الملك واشتغلت بإقامة مراسم السلطنة .
وألزمت كل واحد من الصبيين عالما يؤدّبه ويعلمه . فكانا يربيانهما ويعلمانهما حتى برعا في الأدب
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 150
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٥٠