في الانصراف . فلما وصلوا إلى الخاقان وأخبروه بما رأوا من عظمة قدر كسرى ، وما شاهدوه من رجوليته وكثرة عَدده وعُدده ضاقت عليه والأرض بما رحبت وامتلأ خوفا وذعرا .
رسالة خاقان الصين إلى أنوشيروان معربا فيها عن رغبته في تزويج إحدى بناته له
فخلا بأصحاب رأيه وأخذ يمخض الآراء فقال الخاقان : الرأي أن ينفذ اليه رسولا ونسأله مصاهرتنا . وإن وراء ستورنا خمس بنات فنزوّجه إحداهن . فإنه إذا التحمت بيننا أواصر المواصلة وانتظمت بيننا شجنة القرابة أمنا أن يقصد بلادنا وديارنا . بل نعتضد مع ذلك بقرابته ونستظهر بمودّته . فاستصوب ذلك جميع من حضر من أصحاب الرأي وأرباب العقل . فأمر فأعدّت لأنوشروان تحفة لم ترها العيون ، ولم تسمع بمثلها الآذان . ثم استحضر الكتاب فكتب اليه كتابا قال فيه ، بعد حمد اللّه والثناء عليه : قد وصلت الرسل فأعلمونا بما شاهدوا في تلك الحضرة من أسباب السلطنة وروائع الجلالة . فأحببنا أن نكون في ظل عنايتها وكنف عاطفتها ، وأردنا أن يخطب الملك الينا بعض كرائمنا حتى تلتحم بيننا الأواصر وتشتجر العروق الشواجر ، ويرتفع الفرق فيما بين المملكتين ويحصل الاتحاد ما بين الحضرتين . ثم ختم الكتاب واستحضر من أقربائه ثلاثة رجال صباح الوجوه فصاح الألسن ، وأنفذهم بالتحف إلى حضرة أنوشروان . فلما وصلوا إلى دركاهه ، وعلم بقدومهم جلس على تخته ، على رسمه وآيينه عند وفود الرسل . فدخلوا عليه فلما قربوا من تخته نثروا ثلاثة مناديل فيها ثلاثون ألف دينار . ثم عرضوا التحف فصارت أرض الإيوان كأنها السماء بكواكبها من شعشعة الأثواب المنسوجة بالذهب والجوهر . فأكرمهم الملك غاية الإكرام وأمر بهم فأنزلوا في موضع يليق بهم .
ثم إن الملك جلس ذات يوم عند طلوع الشمس ، وحضرته الأكابر والأعيان فأمر كاتبه يزدجرد بأن يقرأ عليهم كتاب الخاقان . فقرأه وفيه من التودّد ، والتملق ما أعجب الحاضرين . فأثنوا على أنوشروان ودعوا له وصفوا ما أنعم اللّه تعالى به عليه من سعادة الجدّ وعلو القدر حتى أطاعته الملوك وخضعوا له . ثم قالوا : إن الخاقان ملك كبير قد ملأ الأرض ما بين بخارا والصين بجنوده . وهو مع ذلك يريد الاتصال بالملك . وينبغي ألا يتوانى في إجابته . فإنه لا عار في مصاهرته . فأمر الملك بإحضار الرسل فلما دخلوا أكرمهم وأجل أقدارهم ، وأقعدهم بالقرب من تخته فأدّوا رسالة الخاقان بأحسن لفظ وأخفض صوت . فلما سمعها الملك قال : إن الخاقان ملك كبير موصوف بالعلم مستحق للثناء والحمد . وقد أحب مصادقتنا ومصاهرتنا . ونحن نجيبه إلى ذلك ونتيمن بمواصلته . غير أن نرجو أن يمكننا من اختيار من نريد من بناته . وذلك يتيسر بأن أبعث بعض
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 144
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٤٤