قصة حرب خاقان الصين والهياطلة
قال : ولم يكن في عهد كسرى أنوه ذكرا وأفخم قدرا من الخاقان ملك الصين . وكانت الملوك من شاطئ جيحون إلى أقصى بلاد الترك منقادين له . وكان مستقر سريره بمدينة كُل زرّيون من وراء الشاش . فانتهت اليه أخبار كسرى التي استفاضت في أطراف العالم ، وما اختص به من العلم والشجاعة والروعة والجلالة . فأراد أن يكون بين الحضرتين مكاتبة ومراسلة ، ومهاداة ومصادقة .
فخلا بأصحاب رأيه وأركان دولته وشاورهم في ذلك فأعد هدية لم يعهد مثلها محمولا من حضرة ملك إلى آخر ، ونفذها في صحبة بعض أعيان دولته وكفاة حضرته . وكتب إلى كسرى كتابا على الحرير الصيني . فسار الرسول ، وكان ممره على بلاد الهياطلة . وكان لهم ملك يسمى غاتْفر . فلما سمع بإهداء الخاقان ذلك إلى كسرى خلا بأصحابه به وقال : إن حصلت مصادقة وموافقة بين ملك إيران وملك توران تضررنا بها . والرأي أن نقطع الطريق على هذا الرسول فنقتله ونتهب ما صحبه . فجرّد لذلك بعض قوّاده فركض اليه وقتله وانتهب جميع ما استصحبه . فلما انتهى الخبر بذلك إلى الخاقان جمع عساكر الصين والخُتَن ، وعزم على قتال الهياطلة ، وكانوا نازلين من السغد إلى شاطئ جيحون .
فسار في جمع عظيم فجاء نطاق الحصر . وجمع مالك الهياطلة مثل جنود الخاقان من بلاده وعسكر على بخارا . فجاء الخاقان والتقوا على ماى مرغ ، وهي قرية من قرى نخشَب . فجرت بينهم وقعة عظيمة اتصل فيها القتل والقتال سحابة أسبوع . ولما كان اليوم الثامن خفقت أعلام الخاقان بالظفر وكسرَ الهياطلة كسرة عز جبرها . فقتل ملكهم مع خلق عظيم ، وانهزم الباقون . ثم لما أمنوا قالوا : إنا لم نر مثل عساكر الصين . كأنهم ليسوا من الإنس بل كأنهم مردة الشياطين . وكأن وجوههم وجوه الثعابين . تمرق سهامهم من الجبال ، ولا يملون أبدا من القتال ولا يرفعون سروجهم عن ظهور الخيل ، ويرسلونها في الثلج طول الليل فتجتزئ بما ترى في البرية من الحسك والشواك .
فلا طاقة لنا بهم . والرأي أن ننضم إلى كسرى ونستظهر به حتى نسلم من شر الخاقان . فاتفقوا على ذلك واختاروا من الهياطلة شابا كريم المحتد متحليا بسير الملوك والسلاطين يسمى فغانيش فتوّجوه وأقعدوه على سرير الملك .
اطلاع أنوشيروان على أمر الهياطلة وما حل بهم
ثم لما انتهى الخبر إلى كسرى بقوّة الخاقن واستطالة يده وارتفاع أمره حتى كسر الهياطلة تلك الكسرة الشنيعة ، وأنهم أقاموا مقام غاتفر ملكا آخر - جمع أصحاب رأيه وأركان دولته مثل أردشير موبذ الموبذان وسابور ويزدجِرد الكاتب فقال لهم : قد جاءنا خبر غير موافق بلغنا أن الخاقان قد كسر الهياطلة ، واستولى عليهم وقتل منهم مقدار ثلثيهم ، وأنهم حين قتل
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 141
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٤١