شيئا فينبغي أن يبذل دونه بما يملكه من صامت وناطق حتى يأمن ما عرّه ما يخاف وعاديته .
رسالة خاقان الصين إلى أنوشيروان
ثم إنه اختار عشرة من الكفاة الدهاة ممن يحسن أن يقول ويسمع ، وكتب إلى كسرى على الحرير الصيني كتابا فنفذهم به اليه . فسار الرسل بما تحموا من رسالة الخاقان حتى وصلوا إلى مخيم أنوشروان .
فلما رفعت دونهم الحجب دخلوا على ملك يملأ العيون روعة وبهاء وأبهة وسناء فقبلوا بين يديه الأرض فوفوه شرائط الإعظام والإِجلال . فأكرمهم الملك وسألهم عن الخاقان وانتظام أحوال مملكته واتساق أمور دولته . فأدّوا الرسالة وسلموا الكتاب اليه . ففتحه يزدجرد الكاتب ، وهو كتابه وصاحب سره وثاني موبذ الموبذان في حضرته ، فقرأه عليه . وكان مفتتحا بذكر اللّه تعالى والثناء عليه ومثنّى بكلام يعرب عن إدلاله بقوّته واستظهاره بشوكته . ثم قال : إنا كنا خطبنا اليه عقلية مودّته وكريمة مصادقته ، وأهدينا إلى حضرته برسم خدمته تحفا من بلاد الصين فتعرّض لها ملك الهياطلة ، وأرسل جماعة من أصحابه فانتهبوها وقتلوا الرسل المنفذة معها . فوجب علينا الانتقام منه فنهضنا إلى بلادهم ، ودلفنا لقتالهم فقتلناهم حتى سال جيحون بدمائهم . وقد بلغنا ما تخصص به الملك من الأبهة والجلالة والعقل والحياء وعلو الذكر والنباهة فآثرنا أن تكون بيننا وبينه صداقة أكيدة ومودة مهيدة . فإن رأى الملك أن يجيب إلى تشييد قواعدها وتمهيد مبانيها ، ويجاوبنا عن رسالتنا بما يرى فيها - فعل . قال :
فلما وقف كسرى على ذلك الكتاب أمر بإنزال الرسل وإكرامهم ، وكأم كل يوم يحضرهم عند السماط حتى مضى على ذلك شهر . ثم أمر بأن ينصب له سرداق عظيم في الصحراء . وجلس فيه وحضره جميع مرازبة بلاده وعظماء مملكته في زينتهم وعدتهم ، ماثلين في خدمة تخته صفوفا . ثم أمر بإدخال رسل الهند والروم وسائر الأقاليم . ثم أمر بإدخال رسل ملك الصين فدخلوا فرأوا من الروعة والجلالة والهيئة والبهاء ما دهشوا له . فجعلوا يتناجون ويقولون : قد وقفنا فخامة قدر هذا الملك فلو وقفنا على فروسيته وشجاعته ! ففطن الملك لما دار بينهم فأمر بإحضار عدّته . فجاءوا بخفتانه ، وكان لا قدر الرجل القوى على حمله . فحلوا أزراره ولبسه . ثم ركب وخرج إلى الفضاء ، وطلاع تلك الأرض كراديس الفرسان وأطلاب الشجعان مظاهرين بين أسلحتهم ، فركض يمينا وشمالا ، وأظهر من أنواع فروسيته ما حيرا الحاضرين .
جواب أنوشيروان على رسالة خاقان الصين
ثم عاد إلى إيوانه فاستدعى الكاتب وأجاب عن كتاب الخاقان بكتاب مشحون بوصف قوّته وشدّة شوكته ، واستصواب رأى الخاقان في استئصال الهياطلة ومجازاتهم على إخفار الذمة وتصدّيهم لقطع الطريق على الواردين من تلك الحضرة . وأمر بإفاضة الخلع على الرسل وأذن لهم
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 143
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٤٣