تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
فنظر إلى الحاجب وسكت . وساق وأخذ يتفكر في أمر الوزير وما كان بينه وبين الحاجب من الداء الدفين والحسد القديم . وقال : لعل اللّه يكشف عن السبب الذي جر الهلاك على هذا الوزير الناصح والأمين الصالح . وسار والفكر آخذ بمجامع قلبه حتى وصل إلى المنزل . وكانوا قد نصبوا الخيم على شاطئ الماء . فنزل في خيمته وأمر باحضار الحاجب ، وأخلى المجلس ، من الأجانب فسأله عن السحر والساحر وإحالة الطعام سما بالناظر . فتعتع في كلامه وارتعدت فرائصه . فوقف الملك عند ذلك على سوء فعله ، وعلم أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله . فقال : اصدقنى الخبر عن الطعام الذي أحضره ابنا مهبوذ ذلك اليوم . فأقر الماكر الخائن والمجرم الحائن فأعلمه بالحال ، وأحال على اليهودي المحتال ، وألزمه تلك الإساءة ، وادعى لنفسه البراءة . فأمر الملك بتقييده وحبسه ، ونفذ فارسا لإحضار اليهودي . فطار الفارس بجناح الركض ، وأحضره بين يديه . فاستخبره أنوشروان عن الحال ، وأمره بالصدق . فطلب الأمان فأمنه . فباح بالسر وكشف الغطاء عن الأمر ، وأفضى اليه بما دار بينه وبين الحاجب . فتعجب الملك من ذلك ، وأمر باحضار موبذ موبذان ، وسائر الأمراء والأعيان . وأمر اليهودي بحكاية ذلك على رؤوس الاشهاد ففعل . فأمر بهما فصلبا ورشقا بالسهام ثم رجما بالأحجار ، عبرة لمن اعتبر ، وموعظة لمن نظر . وبقي أنوشروان يقرع سن الندم على ما سبق منه إلى مهبوذ فقال : هل بقي من أهل بيته أحد ؟ ففتشوا فلم يجدوا غير ابنة وثلاثة رجال . فأعطاهم وأحسن إليهم ، وفرق أموالا كثيرة على الفقراء ، وجعل يستغفر اللّه ويتوب اليه من ذنبه ذلك . قال الفردوسي : من عبد اللّه وطهر دينه لم يمدّه يده إلى السوء . فان فعل الشر وإن هان في العاجل فهو منذر بفوات الروح في الآجل . ولو أخفى الشر في أحشاء الصخور لم يكن له بد من الظهور . ولن يبقى شيء على الزمان مكتوما ، فلا تكن إلا بالخير موسوما . ومهما كنت ثاقب الرأي قليل الإبذاء أفلحت في الدارين وحظيت في المنزلين . ذكر ما جرى بين أنوشروان وبين الخاقان [ 1 ] بناء أنوشيروان مدينة سورستان قال الفردوسي مخاطبا لمحمود : إن كنت تريد أيها الملك المتوّج أن يحمد الناس بعدك آثارك فليكن العقل شعارك والدين دثارك . وكن بقوّة الصدق والسداد مستظهرا ، حتى يكون العالم بأضواء
هامش
[ 1 ] في عهد أنوشروان يحدّث التاريخ الفارسي لأوّل مرة عن الترك . وكانوا في ذلك العهد فريقين : الترك الشرقيون الذين ينزلون بقاعا في الشمال ما بين منغوليا وجبال أُرال . والترك الغربيون ينتشرون من جبال ألطاى إلى نهر سيحون .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 139 | حكيم أبو القاسم الفردوسي / الفتح بن علي البنداري