تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
قطرة على الحجارة لتقطعت قطعا وتفلقت فلقا . فركن الحاجب إلى اليهودي ، وصار يصاحبه ليلا ونهارا ، ولا يحضر الباب إلا وهو معه . وكان ابنا مهبوذ يدخلان كل صبيحة على الملك بطبق من الذهب عليه ثلاثة أقداح مخروطة من حجر البلخش مغطاة بمنديل منسوج من الذهب كانت أمهما تهيئ فيها لبنا وشهدا وماوردا . فاتفق ذات يوم أنهما دخلا ووراءهما غلام على رأسه ذل الطبق . فلما انتهى الغلام إلى الحاجب تلقاه وقال : ما أطيب روائح هذا المطعوم ! ارفع المنديل على رأسه الطبق حتى أنظر اليه . فنحى طرف المنديل عن تلك الأقداح فوقعت عين اليهودي على اللبن . وغطى الغلام طبقه في الحال واستمر في طريقه . فقال اليهودي للحاجب : قد أثمر الآن غرسك وقضيت حاجتك . فوثب الحاجب ودخل خلف الطعام على الملك فقال : أيها الملك ! لا تمدّ يدلك إلى هذا الطعام ، ولا تناوله إلا بعد الامتحان فإنه مسموم . فنظر الملك إلى النبي الوزير وشك في الأمر . فتقدّما وذاقا من ذلك اللبن غير محتفلين ، لطهارة قلبهما ونقاء جيبهما . فتلفا في الحال حتى كأنهما أُقصد بالبنال . فلما رأى الملك ذلك أمر بتخريب بيت الوزير ونهبه ، وقتله مع عشيرته وأهله . فهجموا على بيته ووقعوا فيه وقوع النار في يبس القصباء . فانتهبوه حتى لم يبق فيه سبد ولا لبد ، وحصدوه وأهله بالسيف ولم يبقوا منهم على أحد . فاستعلى أمر الحاجب ، وصار الملك منه كالعين من الحاجب ، وجذب بضبع اليهودي . فبقى كذلك مدّة من الزمان نافق السوق في خفارة الفسوق ، واستمر خفاء ذلك السر على ألعمية الملك . افتضاح سحر زروان واليهودي وقتلهما معا فاتفق أن خرج ذات يوم للصيد فعرضوا عليه رعيل خليه فرأى فيها فرسين عليهما وسم الوزير . فتذكره الملك واحترق قلبه عليه حتى فض عقد الدموع من عينيه . وكان لا يزال منذ بدر منه ما بدر موجع القلب عليه وعلى ولديه . فقال : ما أريد كيف أضل الشيطان ذلك الرجل مع ما كان فيه من العقل المتين والرأي الرزين ؟ وهل يقف أحد على سر الفلك فيما يدور به على الانسان ، ويعرض في طريقه من حبائل الشيطان ؟ ثم استمر في طريقه . وكان لا تخلو مواكبه من العلماء والحكماء يروّحون سره بالحكم ، ويعللونه بالسمر وأطايب الكلم . فانجرّ بهم الحديث مع الملك إلى ذكر الرقَى والسحر وما يخيل الشيطان للانسان من أنواع الحيل والمكر . فقال الملك لبعض الموابذة : إن السحر ليس بشيء ولا ينبغي للعاقل أن يشتغل به قلبه أو يلتفت اليه . فأنطق اللّه ذلك الحاجب الذي بيضت الأيام شعره ، وسوّدت الآثام وجهه بأن قال : أيها الملك ! إن السحر حق ، وإن أمره عظيم . حتى إن الساحر يسحر بالنظر حتى يستحيل الطعام بنظره سما ناقعا . فلما قرع كلامه هذا سمع الملك دخل قلبه منه شيء وأطاف بخاطره منه خيال ، وعلم أن قد جرى على الوزير ولديه مكر واحتيال .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 138 | حكيم أبو القاسم الفردوسي / الفتح بن علي البنداري