قال : فتعجب الحكماء من كلام بُزُرجِمهر وفصاحة منطقه ووفور عليه وحكمته . واستبشر كسرى بمكانه فأمر صاحب ديوان الأرزاق أن يكتب اسمه في أوّل الجريدة . فأضحت سعادة بزرجمهر كالشمس المشرقة . ثم انفض المجلس وأثنى عليه من كان فيه من العلماء والحكماء فقال لهم بزرجمهر : لا ينبغي لنا نحن أن نصرف وجوه خواطرنا عن الملك . فإنه الراعي ونحن القطيع ، ونحن الأرض وهو السماء الرفيع . ولا يجوز العدول عن أمره والخروج عن رأيه . وينبغي أن نسر بسروره ، ونتسبب إلى إبانة فضله وظهوره ، ونطوى سره في تضاعيف الكتمان وستوره ، ولا نجرأ عليه إذا عاملنا بالإفضال والإكرام فان الأسد يفزع من لفحات الضرام ومن تهاون بأمره وإن كان كالجبل ثبات رأى ورزانة عقل ، عددناه خفيف الرأس واهى العقل حليف الخبل . والملك مصدر كل خير وشر ، ومنشأ كل رفع وخفض . فهو يعطى ويمنع ، ويحط ويرفع . وهو في عناية اللّه وكنفه ، والعاقل من يسر بزيادة إقباله وشرفه . ومن لا يكون كذلك فقد ضيق الشيطان عليه المسالك ، وسيورده المعاطب والمهالك . فلما سمعوا منه هذا ازدادوا به سرورا . ثم تفرّقوا وعاد كل واحد إلى منزله .
مأدبة أنوشيروان الثانية لبزرجمهر والموابذة ونصائح ومواعظ بزرجمهر
وفي الأسبوع الثاني جلس الملك على عادته فاستدعى العلماء من الدركاه فحضروا ، وفيهم بزرجمهر ، فسأله بعضهم عن القضاء والقدر . فقال : إنك ترى رجلا يتعب ليلا ونهارا ، ويدأب سرا وجهارا ، ثم لا يزال يرى طريق مطلوبه ضيقا ، ويجد ماء حظه في واديه مترنقا . وترى آخر نائما على تخت السيادة تتهدل عليه أفان السعادة ، قد ذللت له قطوفها تذليلا ، ومدّ عليه ظلها ظليلا . فهكذا رسم القضاء والقدر لا ينال بالجد والجهد مرام ولا وطر . وسأله آخر عن الخصال التي يستحق صاحبها التقدّم فقال : الرفق والكرم والتواضع والبذل لا لطلب مجازاة ومكافأة ، وبلاد شائبة من ّ ولا أذية . وسأله آخر عن خير خصال المرء . فقال : أن يعرف عيب نفسه فيصلحها . وسأله آخر وقال : بما ذا يطيب عيش الإنسان ويقل تبعه ؟ فقال :
بأن يجمع بين العقل والحلم ، ويعدل في الإعطاء والأخذ ، ولا يكون عنده نقيصة ولا زيغ ، ويعفو عند الاقتدار ، ولا يكون حديدا خفيف الرأس . وسأله آخر وقال : من المحافظ على نفسه ؟ فقال : من خالف هواه ولم يتبع مناه . وسأله آخر وقال : أي العطاء أحسن ؟ فقال : ما كان من غير سؤال وبلا امتنان . والباذل إذا لم يجد لنفسه عن الامتنان زاجرا فلا تجعله إلا تاجرا .
وقال له آخر : كيف السبيل إلى تحصيل الذكر الجميل ؟ فقال : تباعد عن الذنوب ، وأحب لغيرك
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 134
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٣٤