تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
إن في بيتك ما بين النساء رجلا قد تزيا بينهن بزيهن ّ وبكسوتهن . فأخل المكان ، ومرهن بالمرور بين يديك . ففعل الملك ذلك فلم ير فيهن رجلا . فقال بزرجمهر : مرهن بالمرور عليك متجرّدات حتى ينكشف لك الغطاء . فأمرهن بالعبور عليه متجرّدات عن ملابسهن ، فرأى فيهن غلاما رشيق القدّ صبيح الوجه . فسأل صاحبة الحجرة التي كان الغلام فيها فقالت : إنه أخي من أمي وإنه استحيا من الملك فدخل علىّ في هذا الزىّ . فأنكر الملك ذلك وأمر صاحب سيفه فأهلكهما في دار النساء . ثم أمر لبزرجمهر بخلعة رائقة وبدرة من الدراهم ، وأكرمه وأعزه ، وامتدّت عليه ظلال السعادة ، وأقبل عليه الإقبال ، وأخذ من ذلك اليوم في الترقي والزيادة . وكان شابا فصيح اللسان ، عذب الكلام ، ذكى الخاطر ، صبيح المنظر . وكانت عادة أنوشروان أن يكون على بابه ليلا ونهارا سبعون عالما متبحرين في فنون العلوم حتى إذا فرغ من أشغال السلطنة ، وألقى عن قبله أعباه المملكة أحضرهم وفاوضهم في أنواع العلوم ، وباحثهم فيها وسايلهم . مأدبة أنوشيروان للموابذة ونصائح ومواعظ بزرجمهر فاتفق أنه جلس ذات يوم واستحضرهم فحضروا وفيهم في أنواع العلوم ، وباحثهم فيها وسايلهم . فاتفق أنه جلس ذات يوم واستحضرهم فحضرا فيهم بُزُرجِمهر . فتكلم كل واحد منهم بكلمة حكمة ، وأتى بفائدة . فلما سمع بزرجمهر كلامهم قام وخدم وقال : أيها الملك العادل ! لا زالت الأرض تحت ظلال تحتك ، ولا زالت السماء منوّرة بأنوار سعادتك وبختك . ثم قال : إن أذن لي الملك تكلمت بين يديه ، وإن كنت قليل الحظ من العلم والدارية . فقال له تكلم . فقال : خير الكلام ما قل لفظه وكثر معناه ، وقصرت عبارته وجل مغزاه . ومن خف رأسه أبطأ فهمه وسرع كلامه . ومن كان كثيرا الهذيان دل في عيون الأعيان . ولا يظهر من الرجال إلا من كان سديد السيرة مستقيم الحال ، وحق البكاء على من تاه في ظلم الزيغ والضلال . ومن رجولية المرء صدقه ، ومن خوره كذبه . ومن كان عن حلية العلم عاطلا فلا حلية له كالسكموت . ومن كان بعلمه مفتونا كان بين العقلاء ممقونا . والعدوّ العاقل خير من الصديق الجاهل . قال : وقد استغنى من قنع وتجنب الحرص والطمع . ومن نفر منه عقله نسي اللّه تعالى وكفره . ومن كان عاقلا وهجر عدوّه وأبعده تقرّب اليه العدوّ حتى صار عبده . وإذا أنصف العاقل من نفسه من فعاله كان له العلو في مقاله . وإذا تواضع المتعلم للعلماء بلغ في العلم ذروة السماء . ولا ينبغي للعاقل أن يستعمل في غير فائدة لسانه ، ويعشو إلى شعاع جمر لا يستفيد منه إلا دخانه . وإن الملك يصير بالعلم لأنواع التمكن والجلالة جامعا ، ومهما كان عالما كان لا محالة متواضعا . وإذا وقف على أسرار اللّه في خلقه أمن من بائقة الزمان وصرفه ، فزاد في عبادة الرحمن ، وطهر باطنه عن وساوس الشيطان وتجنب من الأمور ما ظهر كراهته ، ولم يقصد أذى من لا يقصد أذيته .