أن يرشقوهم بالسهام أيضا . ففعلوا فأصيب نوش زاذ بنشابة في ظلمة العجاج . فانصرف إلى قلب العسكر وقال لفرسان الروم : إن الخروج على الأب أقوى دلائل الشوم . فأن من ألم الجراح ، واستدعى الأسقف ، وبكى وأبث اليه بعض ما في قلبه ، وأمره أن يبلغ أمه بعض نفثات صدره ، ويأمرها بالصبر ومجانبة الجزع عليه ، وأن تدفنه على آيين المسيح ورسمه . ثم تنفس وخرجت روحه فتفرق عسكره بددا ، وأضحوا طرائق قِداد . فلما علم الوالي بما ألم به سعى اليه باكيا فصادفه طريحا في التراب ، رأسه في حجر سكوبا الرومي . فأخذوا في البكاء والنحيب ، وجاءوا بتابوت ووضعوه فيه وحملوه إلى المدينة فخرجت أمه من وراء الستارة حافية حاسرة تبكى وتندب . ثم دخلوا به إلى مدينته ، وهي جُندَيسابور ، ودفنوه ، كما أوصى ، على رسم دين المسيح بلا ناووس . وركدت ريحه وخمد جمره وانقضى أمره .
ذكر رؤيا رآها أنوشروان كانت السبب في اتصال بُزُرجِمِهر حكيم فارس به [ 1 ]
رؤيا أنوشيروان ومجيء بزرجمهر إليه
قال صاحب الكتاب : لا تنكرن فضائل الرؤيا الصادقة فإنها جزء من أجزاء النبوّة . لا سيما إذا كانت من ملك ثاقب الرأي طاره القلب . والوقائع الكائنة تنزل من السماء فتراها الأرواح الصافية في المنام كما ترى النار من وراء حجاب الماء . قال : واتفق أن كسرى رأى ذات ليلة في المنام كأن شجرة خسروانية نبتت عند تخته ، وأنه طاب قلبه لرؤيتها وجلس يشرب مع المغانى في مجلس الأنس .
هامش
[ 1 ] يرى القارئ في ثنايا الشاه كثيرا من الحكم والمواعظ والآداب ، ويرى أن الشاعر ينتهز كل فرصة ليعظ وينصح ويذكّر بعبر الأيام . ولكن عهد أنوشروان يمتاز بجملة من الحكم مجموعة مأثورة عن الوزير العظيم بزرجمهر . وهو وزير تحيط بتاريخ الخرافات . وقد اتخذ مثالا في الرشاد والحكمة ونُسب اليه ما لم يقله . كدأب الناس في سير العظماء الذين يذيع صيتهم ببعض الفضائل والمآثر .
وقد حفظت الكتب الفهلوية كثيرا من هذه الأقوال ، ولا يزال بعض هذه الكتب معروفا مثل كتاب « ديناىِ مينوىِ خرد » أي آراء روح الحكمة . وفيه إجابة الروح عن اثنتين وستين .