ولما كبر نزع في الدين إلى أمه وخالف ملة أبيه . فعظم ذلك على كسرى فأمر بأن يجعل إيوانه عليه كالحبس . وكان مستقرّه بمدينة جُندَيسابور . وفي هذه المدينة خلق كثير من أسارى الروم ولما سار الملك من أنطاكية إلى الأردن مرض بها مرضا شديدا فأُرجف عليه . وبلغ خبر وفاته إلى ابنه هذا فاستبشر وأظهر الشماتة وقال : الحمد للّه الذي أماته . ونادى بشعار قيصر وشعار ملة النصرانية .
مرض أنوشيروان وإثارة ابنه نوشزاد الفتنة في البلاد
وأطلق الأسارى الذين كانوا في مدينته . واجتمع عليه عساكر فاستلعى أمره واستعظم خطبه ، وركب في ثلاثين ألف فارس . فانتهى الخبر إلى والى المدائن بذلك فطير فارسا إلى الأردن وكتب إلى كسرى وأعمله بالحال . فلما وصل الكتاب اليه وعلم بما صدر من نوش زاذ عظم عليه ذلك فخلا بالموبذ يتشاوران ويجيلان آراءهما في الحادث الكارث . ثم استحضر الكاتب وأمره أن يكتب جواب كتابه وإلى المدائن . فكتب ذا كرا فيه : إنا وقفنا على حال الولد نوش زاذ ، وما صدر منه والذين معه من إظهار الشماتة وحل عقدة الزمانة . فانهض اليه في عسكرك . وإذا قربت من داره فأرسل إلى وداره . فان أبى إلا الطغيان في غُلَوائه والتمادي في غيه فأقدم على لقائه . وإذا ظفرت به فأسره أولى من قتله ، فلعله يفيق من سكرة جهله . وإن ورط بنفسه وألقى بيده إلى التهلكة فلا تبال بإراقة دمه . وأما الذين صاروا في زمرته من الإيرانيين وخرجوا معه علينا فلا ترفع عنهم السيف أصلا ، واحصدهم حصدا . ثم لا تسكت على شتم نوش زاذ من رجالة العسكر والنظارة .
فإنه وإن أساء الأدب معنا فهو شعبة من شعبنا .
اصطفاف جيوش رام برزين مرزبان المدائن ونوشزاد والاستعداد للحرب ونصائح فيروز لنوشزاد
ثم ختم الكتاب ونفذه . فلما وصل إلى ذلك المرزبان جمع العساكر وسلك سبيل الامتثال ، وسار إلى جُندَيسابور . فلما علم نوش زاذ بذلك جمع عسكره وأطلق أرزاقهم فركب في بطارقته الذين كانوا معه ، وجعل واحدا منهم على الجيش يعرف بشمّاس فخرجوا إلى الصحراء فاصطف الفريقان وتقابل الجمعان . ووقف نوش زاذ في القلب مستعرا استعمار اللهب ، على رأسه بيضة من الذهب . فخرج فارس من عسكره مرزبان المدائن يسمى فيروز فنصح نوش زاذ ووعظه ونهاه عن التورّط بنفسه ، وزجره وذكره حقوق أبيه ، وحذره العقوق وما هو فيه ، وأشار عليه بخفض جناح الذل لكسرى قبل أن يصير الأمر إمرا . فما اتعظ ولا انزجر ، وتاه في ضلالته ، واستمر على غوايته .
حرب رام برزين مروبان المدائن ونوشزاد ومقتل نوشزاد
وأمر عسكره بالمناوشة والمراشقة فثوّر فرسه وحمل على رام برزين ، وهو وإلى المدائن ، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة . فأمر الوالي عند ذلك أصحابه
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 130
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٣٠