ينصحه فيه ويعظه ويأمره بألا يعدو طوره ولا يجاوز مقدار شبر أرضه . وإلا نقض عهده واستباح تاجه وتخته . فأجاب قيصر عن كتابه وقال : إن كنت ملكا فلستُ بعبد بل أنا أكثر منك عَددا وعُددا ، وأشرف أصلا ونسبا . فإن كنت على عزم اللقاء فاستعد على قبل أن أتوغل بلادك ، وأحرب ديارك . وإنك إنك كنت ذا عقل يديك إلى مصالك لم يكن لك نظير في جميع الملوك .
ولكنك حرمت سداد الرأي وحسن التدبير . فلست تصلح للشهريارية . وشحن كتابه بمثل هذه المقالات ، وردّ الرسول .
قيادة أنوشيروان الجيش لحرب قيصر الروم
ولما وقف كسرى على هذا الجواب خلا ثلاثة أيام بوزرائه وأصحاب رأيه فاستقرت آراؤهم على قصد بلاد الروم . فرتب أسباب الجنود وسار في حجافل كادت تغمر طلاع الأرض ذات الطول والعرض . فلما وصل إلى آذربيجان دخل إلى بيت النار المسمى آذَر كَشسب فأعطى العباد والسدنة عطايا كثيرة [ 1 ] . ثم كتب إلى بلاد إيران كتابا يأمرهم فيه بالثبات على جادة الاستقامة وسلوك سبيل العدل ، وأن يكونوا متيقظين آخذين بالحزم حتى تعود إليهم الرايات المنصورة .
ودخل من آذربيجان إلى أرض العدوّ فكان يتلقاه الناس في كل منزل بالسمع والطاعة متعرّضين لنفحات عواطفه ومتفيئين إلى ظلال معدلته .
استيلاء أنوشيروان على القلاع والحصون في بلاد الروم
فسار كذلك حتى وصل إلى مدينة تسمى سوراب وعليها سور من الحجارة عظيم طالع من قعر الماء مناطح للجوزاء في جوّ السماء . فأحاط بالمدينة إحاطة الأطواق بالأعناق ، وسدّ عليهم الطرق في جميع الجهات ، ونصب عليها المجانيق من جميع الجوانب .
فما طلعت الشمس من اليوم الثاني إلا على قاع صفصف من تلك الأبراج المنيعة والأبنية الرفيعة
هامش
[ 1 ] في الشاهنامه : « وسار حتى آذرآبادَكان . فلما رأى آذر كَشسب ( بيت نار ) ترجل ، وطلب البَرسم من الدستور الطاهر ، وغسل خدّيه بدمعه . ثم دخل بيت النار خاشعا .
وقد نصبوا سريرا مذهبا عليه كتاب « زندواست » والموبذ يقرأ منه مرتلا . والهزابذة والكبراء يتمرّغون في التراب ، ويمزقون حجورهم . ونثر الكبراء الجواهر ، وزمزموا حامدين . فلما اقترب الملك صلى وحمد الخالق ، وسأله النصر والمعونة ، وأن يهدى قبله طريق العدل . ثم أعطى العباد والفقراء الخ » .
ولعل في هذا بيانا لما كان يفعل ملوك الفرس حين يزورون بيوت النار . ولكن بيت النار الذي كان الساسانيون يفزعون اليه وقت الشدّة ثم يكن بيت نار تبريز في آذربيجان بل بيت النار الذي كان في البقعة التي تعرف الآن باسم تخت سليمان على نحو مائة ميل إلى الجنوب .