جندا ، وأثقبهم في المعالي زندا ، وأبهرهم روعة وجلالة ، وأعظمهم نجدة وبسالة . فانثالت الرسل إلى حضرته أرسالا متسربلين بمدارع الخضوع والضراعة ، متمسكين بأهداب الانقياد والطاعة .
طواف أنوشيروان في ممالكه لمشاهدة أحوال الرعية
ثم إنه رأى أن يطوف في ممالكه ، ويشاهد أحوال رعيته . فخرج في عساكره متوجها إلى جهة خراسان . وكان له مناد يركب كل يوم في العسكر ويأمرهم بالكف عن أذية من يمرون به في طريقة ، ويوعدهم على ذلك . فعبر على جُرجان ، وسار منها إلى سارية وآمُل . فوافق مقدمهم فصل الربيع فرأى هناك غياضا متأشبة ، ورياضا معشبة ، وبلابل في شجرائها ، ساجعة ، وأنوارا في حدائقها هاجعة .
فركب فرسا عربيا وصعد إلى جبل هناك فنظر من أعلى الجبل إلى مياهها وأنوارها ، وشقائقها وأزهارها ، وساجعات الأطيار في عذبات أشجارها . فأعجبه ذلك وذكر اللّه تعالى ثم قال : ما اختار أفريذون هذا المكان لقمامه إلا لطيب هوائه وعذوبة مائه . فقال قائل : أيها الملك ! لو لم يكن هذا المكان ممرّ الأتراك وطريقهم لدام سرورنا ، وانشرحت صدورنا بالإقامة فيه . لكنا لا نتجاسر أن نبني هاهنا بناء لكثرة ركضاتهم وفتكاتهم إلى وفتكاتهم إلى نواحينا ، وشنم الغارات على دوابنا ومواشينا ولا طريق له اليوم من توران إلى إيران سوى هذه البلاد . وكانوا من قبل يخرجون من طريق خوارزم . فقد أصبحنا في محل الرحمة لما ينالنا من معرتهم وعاديتهم . فعظم ذلك على أنوشروان وبلغ منه حتى بكى . ثم قال : الأولى أن نهتم بهذا الأمر فنكفى الرعية أذى هذا العدوّ . فأمر دستوره باستحضار الصناع من الروم والهند وسائر البلاد . فسدّ الطريق بسور عظيم بناه . وعمل له بابا عظيما من الحديد ، ورتب لهذا السدّ ، على كل جانب من جوانبه ، حفظة وقوّاما يحرسونه ليلا ونهارا .
عقاب أنوشيروان للألانيين والبلوچيين والجيلانيين
ولما فرغ من ذلك جر عساكره وركب البحر وسار إلى ممالك اللان . فأرسل إليهم رسولا وأنذرهم وأعذرهم . فلما أتاهم الرسول وعلموا أنهم لا يطيقون مقاومته نفذوا اليه مع الرسول جماعة من الأكابر بالهدايا والتحف والمبارّ والخدم . فأكرمهم الملك وأحسن إليهم وثنى عنانه عنهم . وكان قد بلغه أنه كثر العبث والفساد من أهل كرفجان من بلاد الجبل فاستعظم ذلك لكونها سرة ممالكه . فسار إليهم فرأى عساكر الجبل طلاع السهل والجبل فأمر بأن يوضع فيهم السيف حتى
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 125
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٢٥