لا يبقى منهم أحد . فأفناهم إلا جماعة لاذوا بالأمان فأخذ منهم رهائن وأغمد السيف . وقلد تلك البلاد بهلوانا من قوّاده
استغاثة المنذر بأنوشيروان من عدوان قيصر الروم
وانصرف عائدا إلى المدائن . فتلقاه المنذر بن النعمان في فيلق جرار من العرب . فأكرمه وتهلل اليه واستبشر بلقائه . فشكا إلى أنوشروان من يدي قيصر [ 1 ] وسبب ذلك على ما قال غير صاحب الكتاب أنه وقع بين المنذر ، وهو رجل ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب ، وبين رجال من العرب ملكه قيصر على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة فتنة . فأغار خلاد على بلاد المنذر ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة . قال الفردوسي : فاستشاط كسر وتنمر وتغير على قيصر ، وأرسل اليه ورسولا يوعده ويهدّده وينكر عليه ما جرى من جهته على المنذر ، ويأمره بإنصافه من نفسه ، وإن لم يفعل ذلك جهز اليه عسكرا لا يكون له بهم طاقة فيملكوا دياره ويدوّخوا بلاده . فلما أتى الرسول قيصر وأسمعه رسالة كسرى قال : لا نقبل من كلام المنذر الجاهل سيوى ما صيح . ومتى جاوز هو حدّه من بلاده جعلت أرضه كالبحر ، وأطبقت السماء عليه . فانصرف الرسول . ولما وقف كسرى على جوابه علم أنه غير ناطق بمقتضى العقل ، وأنه متماد في الغواية والجهل . فقال : سيندم قيصر حين يفيق من سكر الاغترار ، وربما قد يقبض السكران بيده على النار . فاختار من عسكره ثلاثين ألف فارس ، وضمهم إلى المنذر وأمره أن يحشر من أرض العرب جحفلا يحرق ببأسهم بلاد الروم . وقال له : إذا كنت أنا صاحبك وشهريارك فعليّ أن أنتقم لك وأطلب ثارك .
رسالة أنوشيروان إلى قيصر الروم وجواب قيصر عليها
ثم جرّد رسولا آخر ونفذه إلى قيصر وكتب اليه كتابا
هامش
[ 1 ] كانت الحرب بين أنوشروان والروم مستمرة في الغرب والشمال . وكان الفريقان يتعاهدان على السلم الدائم أو المؤقت ينقضه أحدهما حين تتاح له الفرصة . وقد ولى أنوشروان العرش والحرب قائمة بين المملكتين . ثم كانت بينهما سنة 533 سلم سماها المتعاهدان « السلم الدائم » وكان من شروطه أن يدفع الروم 11000 رطل من الذهب لمعاونة الفرس في حراسة شعب در بنده وغيره من شعاب القوقاز ، وأن يسترد كلا الفريقين بعض البلاد . ولكن الحرب استؤنفت سنة 540 إذ أغاز أنوشروان على سورية وأخذ أنطاكية . وهي الحرب المذكورة هنا . ثم كانت سلم نقضها جُستنيان . وهكذا تقلبت الحال بين حرب مديدة وسلم قصيرة الأجل حتى مات أنوشروان بعد أن ناضل ثلاثة من ملوك الروم تعاقبوا على حربه . وكانت كفة أنوشروان أرجح ولكنه لم يبلغ كل ما أراد . فقد اضطر إلى التخلي عن أطماعه في لزيكا( lazica )التي حاولها مرارا ليبلغ البحر الأسود فيحارب الروم فيه .