شاهدهم بابك ولم ير فيهم علم كسرى أمرهم بالانصراف وركب وعهد إلى منزله . ولما أصبح من الغد نادى المنادى بحضور العسكر في الأسلة فحضروا . فلما ولم ير فيهم كسرى أمرهم بالانصراف ولما كان اليوم الثالث نادى منادى ديوان العرض بألا يختلف منهم فارس . سواء كان شريفا أو وضيعا ، صغيرا أو كبيرا ، صاحب تاج أو صاحب سرير . فإنه أمر جزم لا محاباة فيه لأحد . وليحضروا بأجمعهم في أسلحتهم مدججين . فلما سمع كسرى ذلك ضحك واستحضر خفتانه ومغفره فركب ودخل الميدان مدججا شاكي السلاح متشمرا على حارك الفرس كالأجدل الغطريف أو أسد الغريف ، على رأسه بيضة قد عظمت وجهه ، وبيده جرز ، وفي عضده قوس ، وعلى سموط سرجه وهق ، وفي وسطه سهام مغروزة . فجاء حتى عبر على بابك صاحب الديوان عارضا فروسيته عليه . فدعا له واعتذار اليه وقال :
إن هذا مقام العدل ، وقد تعلمنا منك هذا النحو . ثم سأل كسرى أن يثنى عنانه ذات اليمين وذات الشمال . فثوّر فرسه ، وأظهر فروسيته . فتعجب الموبذ منه وسمى اللّه تعالى عليه . وكان عطاء كل فارس ألفا أو ألفين إلى أربعة آلاف لا يجاوز هذا المقدار . فنادى منادى الديوان : إن لكمىّ الكماة ، يعنى أنوشروان ، أربعة آلاف در هم ودرهما . فزاد درهما في رزق الملك . وكان كسرى شابا غريرا فضحك ضحكا كثيرا وقد أعجبه ما عامله به بابك . قال : ولما قام بابك من ذلك المجلس دخل عليه وقال : لا يؤاخذ الملك عبده بما صدر منه اليوم من الغلظة . فإنه لم يكن عنده غير النصفة والمعدلة .
فاستصوبه الملك في ذلك وقال : إنك بما فعلت ازددت عندي قربة ومكانة . فلا تعدل أيها الرجل المتيقظ ! عن طريق الاستقامة . فدعا له الموبذ وأثنى عليه .
عدل أنوشيروان وذكاؤه
ثم إنه لما أصبح من الغد أذن للناس إذنا عاما . فلما احتفوا أقبل عليهم وقال : لا تستعينوا أيها الحاضرون إلا باللّه وحده . فهو الهادي إلى سبيل الخير ، وهو الآخذ بأيدينا في الدارين . ثم لا يقطعكم عنا هيبة التاج والتخت . فإن الطريق الينا سهل . ولا تنصرفوا من عندنا رأى وقت كان بالليل أو النهار إلا وحاجاتكم مقضية ، وحقوقكم مرعية . فانا لا نفرح إلا بالتنفيس عن المكروبين والأخذ بأيدي المظلومين . ونعوذ اللّه من أن يبيت أحد موجع القلب من أيدي أحد من عمالنا . فانا نخاف أن يؤثر ذلك في تغيير حالنا . فرفع الحاضرون أصواتهم بالدعاء والثناء عليه وخرجوا . ثم صارت الدنيا بحسن رأفته وصدق شفقته كبعض الجنان المزخرفة غضارة ونضارة وحسنا وعمارة . وتناهت الأخبار بذلك إلى سائر أقاليم الأرض من الهند والروم وغيرهما ، بما جدّد كسرى من قواعد العدل ومباني الأمن ، وما حصل للخلق في أيامه من الخصب والراحة ، وما عهم من الدعة والرفاهية ، وأنه قد أصبح أكثر الملوك
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 124
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٢٤