انصرفنا بعد عشرة أيام ، وعبرنا جيحون . ثم عبد ذلك لا ندوس ما وراءه أصلا . فعاد الرسول بجوابه إلى خُشنواز فسر بذلك ، ورفع القيد عن رجل قباد وأطلقه مع أردشير موبذ الموبذان ، في جميع الأسارى ، فنفذهم وجميع خزائن فيروز مع رسول محتشم من كبار أصحابه إلى مخيم سوفزاى .
عودة قباد إلى إيران
فلما رأى العسكر وجه قباد مع الموبذ كادوا يطيرون من الفرح والسرور فرموا الخيم في الحال وارتحلوا وعبروا جيحون . فأتى الخبر فارس بظفر سوفزاى وخلاص قباد مع موبذ الموبذان وسائر الأسارى فاستبشروا واستقبلوه . فأمر بالش بنصب تخت من الفضة في إيوان قباد ليجلس عند قدومه عليه .
فلما وصل أدخله إلى إيوانه مع سوفزاى . فمدّوا السماط وطعموا ثم جلسوا في مجلس الأنس على جملة اللهو والطرب غير أن صفو عيشهم ذلك كان مرنقا بقرب عهدهم بحادثة فيروز . وطفق المغنون يزمزمون على أوتار المزاهر بألحان تشتمل على وصف وقعة الترك ، وظفر البهلوان بهم ، وإنقاذ ابن الملك من أيديهم .
واستعلى أمر سوفزاى فاستبد بالأمر والنهى ، والحل والعقد ، والبسط والقبض ، والإبرام والنقض ، وصار لا يدانيه أحد في تلك الدولة ولا يساجله وإن كان يلمأ الدولة إلى عقد الكرب .
فبقى كذلك إلى أربع سنين مضت في ملك بلاش فقال له : إنك لا تحسن شغل السلطنة ، ولست تطلع على أسرار الملك تحسبها نوعا من اللهو واللعب . وأخوك قباد أعرف منك بدقائق هذا الأمر وغوامضه . وهو أقدر منك على القيام بمراسم الملك . فاضطر بلاش إلى ملازمة بيته وخلع نفسه فصار الأمر لقباد ، وتوجه من إصطخر نحو بغداد .
39 - ذكر نوبة قُباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جُور وكانت مدّة ملكه أربعين سنة [ 1 ]
جلوس قباد على العرش ومواعظه للإيرانيين
قال صاحب الكتاب : لما جلس قباد على تخت السلطنة قال للناس : إن طريقكم إلىّ مفتوح بالليل والنهار . فلا تسبلوا ستور الكتمان على وجوه الأسرار . وكل ملك زين لسانه بصدق المقال
هامش
[ 1 ] من أعظم الملوك الساسانيين . ملك ثلاثا وأربعين سنة ( 488 - 531 م ) بدأها بمجاربة الخزر فهزمهم ثم شغل بمجاربة الهياطلة عشر سنين ( 503 - 513 م ) حتى خضد شوكتهم فلم يخش