قيصر فانى خادم لعبيد الملك . وإنما أرسلني قيصر لأبلغ الملك سلامه وأسأل علماء حضرته عن سبعة أشياء فأرجع بجوابها اليه . فاستحضر الملك موبذ الموبذان وسائر الحكماء والعلماء فأدى الرسول رسالة قيصر ثم سأل الموبذ وقال : أخبرني ما الداخل وما الخارج ؟ وما العالي وما السافل ؟ وما الشيء الذي ما له نهاية ؟ وما الجوهر الذي هو في ذاته واحد وله أسماء متعدّدة ؟ وما الشيء السهل الذي يستصعبه الخلق ؟ فقال الموبذ : الداخل هو الهواء والخارج هو الفلك ، والعالي هو الجنة ، والسافل هو النار ، والشيء الذي لا نهاية له هو علم اللّه تعالى ، والجوهر المتحد ذو الأسماء المتعدّدة هو العقل فإنه يعبر عنه بالحلم والوفاء والنطق والسعادة وحفظ الأسرار والتؤدة والسكون وليس في الوجود جوهر أنفس منه . فإنه مثل الرأس وسائر المحاسن كالبدن . وهو الذي يتغلغل إلى ضمائر الأسرار التي لا تدركها الأبصار . والسهل المستصعب هو علم النجوم . فإن صاحبه يعلم أسرار الفلك ، ويسهل عليه معرفة طول الفلك وعرضه ومسافة ما بين السماء والأرض . فهذا جواب ما سألت عندي ، واللّه أعلم بما وراء ذلك . فقبل الرسول عند ذلك الأرض بين يدي الملك وقال : لا تطلب فوق ما أعطيت من الجلالة والسيادة . وكما أنك ملك الملوك والسلاطين فوزيرك ملك العلماء والحكماء في جميع الأقاليم .
فهو السيد وجميع الفلاسفة كالعبيد له . فسر الملك واستبشر . ثم أمر للرسول بعشر . دو وثياب وخيل وأحسن اليه وبالغ في إكرامه . فقال الرسول وعاد إلى منزله .
توديع بهرام لرسول قيصر الروم والسماح له بالانصراف والعودة إلى وطنه
ولما كان اليوم الثاني حضر مجلس بهرام وحضر الموبذ وأخذوا بأطراف الحديث . فقال الموبذ ، أخبرني أيها الحكيم ! عن أضر شيء تُمرى عليه الجفون ، وعن أنفع شيء تَقر به العيون . فقال الرسول : أما الأوّل فهو العلم ، وأما الثاني فهو الجهل . فقال الموبذ : أنعمن ّ الفكرَ فيه وأجب بالصواب ، ولا تظنن أن المسك يصاد على التراب . فقال الرسول : هذا هو الذي عندي من الجواب . فإن كان عندي غيره فهات .
فقال : اعلم أن كل من هو أقل أذى فموته أكثر ضيرا ، ومن هو أكثر شرا فموته أوفر خيرا . فهذا يضر وذاك ينفع . والعقل يفرق بين الحالتين ويجمع . فارتضى الرسول ذلك ودعا للملك وأثنى عليه وعلى الوزير بمحضر منه ، وقام وعاد إلى منزله . ولما أصبح الملك من اليوم الثالث قعد في مكانه وأمر بإحضار الرسول فخلع عليه وأعطاء جملة من النفائس والرغائب ، وأذن له في الانصراف .
نصائح ومواعظ بهرام لعماله وإيصائهم بالعدل بين الرعية
ثم نظر في أمر العسكر فأمر الوزير ففرّق الممالك على الإصبَهبذية ، وعين لكل إقليم بهلوانا ، ولكل مدينة واليا ، بعد أن فرق عليهم خزائن الأموال والأسلحة وأمرهم بالعدل والإنصاف ونفى أهل
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 96
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٩٦