ذكر قصة قيصر الروم وخاقان الصين مع بهرام [ 1 ]
خاقان الصين يشن الغارة على إيران وطلب الإيرانيين الصلح
قال صاحب الكتاب : ثم تواترت الأخبار واستفاضت في بلاد الروم والهند وممالك الترك والصين بإقبال بهرام بكليته على اللعب واللهو ، واشتغاله بذلك عن الخلق ، وإهماله لأمر الجيش ، وأنه لا يهمه ترتيب الجند فليس على بابه بهلوان ولا طليعة ولا ديدبان . فجمع الخاقان عند ذلك عسكرا عظيما ، وأقبل طامعا في ممالك إيران ، وحشد قيصر أيضا وأقبل من الجانب الآخر فيل جنوده قاصدا للتوغل في بلاد إيران أيضا . فلما تناهى الخبر بذلك إلى أرض إيران اجتمع الأكابر والأمراء والأعيان والقوّاد ، ودخلوا على بهرام وعنفوه وعيروه ، وأخبره بامتداد الأطماع إلى ممالكه . فقال لهم بهرام : إن اللّه ناصري . وأنا بحول اللّه وقوّته ونصرته حافظ لإيران وذائد عنها كل مكروه .
وسأصرف شرهم عن هذ الإقليم بالمال والجيش والسعادة والسيف . واستمر في ظاهر الأمر على لهوه ولعبه كما كان . فأيس من ملكه الإيرانيون وكادوا يتلفون من الجزع والأسف عليه . وهو في السر يهيئ أمر عسكره ، ويستعد بحيث لا يطلع عليه أحد . فجاء الخبر بهرام بدخول الخاقان إلى ممالك إيران . فاستحضر بهوالنه كُستهم ، وهو قائد جيشه ودستور ملكه ومتولى حله وعقده ، وففاوضه في أمر الخاقان فيما أقدم عليه . واستدعى وجوه قوّاده وأعيان أمرائه ، وانتخب من خُلّص عساكره والمذكورين منهم ستة آلاف فارس ، وسلم التاج والتخت إلى أخيه نرسى بن يزدجرد ، وكان صاحب دين وروعة ومعدلة ، ورأفة ، وركب فيهم وأخذ في طريق آذربيجان فحست الناس أنه قد هرب ، حيث لم يستصحب من العسكر إلا ذلك المقدار اليسير .
هامش
[ 1 ] الهياطلة الذين سماهم الصينيون « يتها » وسماهم الرومان( ephthalites )أو لهون البيض ، وسماهم الفرس هيتال اجتازوا جيحون سنة 425 م وعاثوا في البلاد فهلع الناس منهم وحاربهم بهرام كور وهزمهم . والظاهر أن الهياطلة هم الذين ذكروا هنا في قصة خاقان الصين .
وأما الروم فقد حاربوا بهرام من أجل شدّته على النصارى في بلاده ، وغلبوه ، ولكن بهرام استطاع أن يصالحهم على شروط عادلة منها ألا يضطهد النصارى ولا يمنعوا من الفرار إلى سلطان الروم ، وألا يضطهد المجوس من رعايا الروم كذلك . وكان هذا الصلح سنة 422 م . وقد أدى هذا إلى استقلال الكنيسة الشرقية سنة 424 م .