حدثنا أحمد بن قاسم قال : نا أبي القاسم بن محمد بن قاسم ، قال : نا جدي قاسم بن
أصبغ ، نا محمد بن إسماعيل الترمذي ، نا نعيم بن حماد ، نا عبد الله بن المبارك ، ثنا عيسى
ابن يونس ، عن جرير - هو ابن عثمان - عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن
أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفترق أمتي
على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم ،
فيحلون الحرام ويحرمون الحلال .
قال أبو محمد : حريز بن عثمان ثقة ، وقد روينا عنه أنه تبرأ مما أنسب إليه من
الانحراف ، عن علي رضي الله عنه ، ونعيم بن حماد قد روى عن البخاري في
الصحيح ، وفي الأحاديث التي ذكرنا في هذا الفصل ، وفيما قبل هذا ، من أمره
عليه السلام بأن يتركوا ما تركهم ، وأن ينتهوا عما نهاهم ، وأن يفعلوا ما أمرهم
به ما استطاعوا كفاية في إبطال القياس لمن نصح نفسه .
وقد قال بعض أصحاب القياس : إنما أنكر في هذه الأحاديث من يقيس
برأيه ، وأما من يقيس على تشابه المنصوص فلم يذم .
قال أبو محمد : فقلنا لهم : من أين فرقتم هذا الفرق ؟ وهل رددتموها على
الدعوى المفتراة الكاذبة شيئا ؟ وقولكم هذا من أشد المجاهرة بالباطل .
وقد وجدنا للصحابة فتاوى كثيرة بالرأي يتبرؤون فيها من خطأ ، إن كان
إلى الله تعالى ، ولا يوجدون شيئا منها دينا ، ولا يقولون إنه الحق ، بل يذمون
القول بالرأي في خلال ذلك ، خوف أن يظن ظان أنه منهم على سبيل الايجاب
والقطع بأنه حق ، فمن تعلق بالرأي هكذا فله متعلق . وأما القياس الذي ذكر
هذا القائل على التعديل ، واستخراج ، علة الشبه ، فما نطق بذلك قط أحد من
الصحابة ، ولا قال به ، فالذي فر إليه أشد مما فر عنه . وبالله تعالى التوفيق .
وقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ، وعمن بعدهم إبطال القياس نصا . كالذي
ذكرنا عن أبي هريرة من قوله لابن عباس : إذ أتاك الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال . وهذا نص من أبي هريرة على إبطال القياس .
الاحكام — صفحة 1068
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٦٨