قال أبو محمد : وهذا خطأ وقول فاسد ، لان الله تعالى لم ينص على أن يبدأ
في ذلك من مكان من اليدين بعينه ، وإنما جعل عز وجل المرافق نهاية موضع
الغسل لا نهاية عمل الغسل ، فكيف ما غسل الغاسل ما بين أطراف الأنامل
إلى نهاية المرافق فقد فعل ما أمر به في النص ولا مزيد .
واحتج بعضهم بقول الله تعالى : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * قالوا : وإنما
قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة ، يعني اشتراط العدالة ، واشترط تعالى
الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط ، فكان ذلك في سائر الأحكام
قياسا على الطلاق والرجعة .
قال أبو محمد : وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم فأول ذلك أن المحتج
بهذا إن كان مالكيا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق ، وفي شهادة
الصبيان في الدماء والجراحات خاصة ، وهم غير موصوفين بعدالة ، ولم يقس على
ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب . وإن كان حنفيا فقد نسي نفسه في قبول شهادة
الكفار بعضهم على بعض ، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول
والأقارب العدول ، وأما نحن فلم نأخذ قبول شهادة العدول فيما عدا الطلاق والرجعة
والديون قياسا على ذلك ، ونعوذ بالله من هذا ، وإنما لزم قبول العدول في كل
موضع حاشا ما استثناه النص من قبول شهادة الكفار في الوصية في السفر فقط ،
فمن قول الله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين ) * فنهانا الله تعالى عن قبول الفاسق ، ليس في البالغين العقلاء ،
إلا فاسق أو عدل ، فوجب علينا التبين في كل شاهد ، وكل مخبر حتى نعلم أفاسق
هو فلا نعمل بخبره ولا بشهادته إذا أنبأنا بها ، أو نعلم أهو عدل ؟ فنعمل
بخبره وشهادته فبطل ظن هذا الجاهل .
وأما قبول عدلين في سائر الأحكام ، فقد كان يلزم هذا الجاهل ، إن التزم
القياس ، أن يقيس جميع الشهادات في السرقة والقذف والخمر والقصاص والقتل
على الشهادة في الزنى فلا يقبل في شئ مما ذكرنا إلا أربعة شهداء لا أقل ، لان
الحدود بالحدود أشبه من الحدود بالطلاق والرجعة والديون ، والزنى حد ، وكل
ما ذكرناه في السرقة والقذف والخمر حد .
الاحكام — صفحة 964
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦٤