وإنما قلنا هذا حسما للأقوال ، وإنما فالضمير راجع إلى عمل الشيطان ، والرجس ،
بنص الآية ، من عمل الشيطان ، فهو مأمور باجتنابه بيقين ، والخنزير رجس
بنص القرآن ، والخنزير كله حرام ، والخنزير في لغة العرب ، التي بها خوطبنا ،
اسم للجنس يقع تحته الذكر والأنثى والصغير والكبير ، فبطل ما ظنوا أن
تحريم الشحم إنما هو جهة القياس ، وبالله تعالى التوفيق .
ثم نقول لهم : أخبرونا عن قول الله تعالى : * ( أو لحم خنزير فإنه رجس ) *
ماذا أراد به عندكم ؟ اللحم وحده دون الشحم ؟ فإن قلتم ذلك فقد أباح الشحم
على قولكم ، وهذا خلاف الاسلام ، وخلاف قولكم ، أأراد به الشحم واللحم
والعظم واللبن ؟ فهذا باطل ، لان كل ذلك يقع عليه عند أحد اسم لحم ، فقد
حصل قولكم بين كذب وكفر ، لا بد من إحداهما ، فإن قالوا : حرم اللحم
ودل بذلك على الشحم قلنا : هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، وفي هذا خالفناكم
وكذبنا دعواكم ، فحصلوا في ضلال محض .
واحتج بعضهم بأن قال : يلزمكم ألا تبيحوا قتل الكفار إلا بضرب الرقاب
فقط ، لقول الله تعالى : * ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) * .
قال أبو محمد : والجواب بأن الله تعالى إنما قال هذا في المتمكن منهم من
الكفار ، وهذا فرض بلا شك ، ولا يحل خلافه ، فمن أراد الامام قتله من الأسارى
لم يحل قتله إلا بضرب الرقبة خاصة ، لا بالتوسيط ولا بالرماح ولا بالنبل
ولا بالحجارة ولا بالخنق ولا بالسم ولا بقطع الأعضاء . وأما من لا يتمكن
منه فقد قال تعالى : * ( فاضربوا منهم كل بنان ) * وقال تعالى : * ( فاقتلوا المشركين
حيث وجدتموهم ) * فقتل هؤلاء واجب كيف ما أمكن بالنص المذكور ، وهذا
ما لا نعلم فيه خلافا ، وهو ظاهر الآيات المذكورات ويبين أن المراد بالآية
التي فيها ضرب رقاب الاسرى فقط قوله تعالى في تلك الآية بعينها : * ( فضرب
الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ) * فاستثنى الاسرى
من جملة قوله تعالى : * ( واضربوا منهم كل بنان ) * و : * ( اقتلوا المشركين ) * .
وقال بعضهم أيضا : يلزمكم ألا تجيزوا أن يبدأ في غسل الذراعين في
الوضوء إلا من الأنامل ، لقول الله تعالى : * ( إلى المرافق ) * .
الاحكام — صفحة 963
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦٣