ذلك في القياس لوجب إذا جاء النص بالامر أن يفهم منه النهي ، أو بالنهي أن
يفهم منه ضده ، وهذا عكس الحقائق ، وبالجملة فهذا شغب فاسد ضعيف ، لان
الحكم بالقياس عندهم إنما هو أن يحكم المسكوت عنه بحكم المنصوص عليه ، وهذا
هو غير العمل في الرؤيا جملة ، ومن شبه دينه بالرؤيا ، وفيها الأضغاث وما تتحدث
به النفس ، فقد كفى خصمه مؤنته ، وبالله تعالى التوفيق .
وذكروا أيضا قول الله تعالى : * ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل
فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) * وقوله تعالى : * ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما
يعقلها إلا العالمون ) * .
قال أبو محمد : صدق الله تعالى وكذب أصحاب القياس ، وما أنكر ضرب الله
تعالى الأمثال إلا كافر ، بل قد ضرب الله عز وجل الأمثال في إدبار الدنيا بالزرع ،
وفي أعمال الكفار بسراب بقيعة ، وفي الظالمين بالأمم السالفين فهذا لا يعقله
فيغبط به إلا العالمون .
ولعمري إن من صرف هذا الأمثال عما وضعها الله تعالى له ، إلى تحريم القديد
بالقديد ، إلا مثل بمثل ، أو البتة وإلى أن على المرأة الموطوءة في نهار رمضان عتق
رقبة ، وإلى أن الصداق لا يكون إلا عشرة دراهم أو ربع دينار ، وإلى أن من
لاط حد حد الزنى ، لجرئ على القول على الله تعالى بغير علم .
وليت شعري لو ادعى خصمهم عليهم واستحل ما يستحلونه ، فادعى في
هذه الآيات أنها تقتضي ضد مذاهبهم فيما ذكرنا ، أكان بينه وبينهم فرق ؟
ونعوذ بالله من الخذلان .
وكما نقول : إن الله تعالى ضرب لنا الأمثال ، وإن أمثاله المضروبة كلها حق ،
لأنه تعالى قال ذلك فيها . فكذلك نقول : لا يحل لنا ضرب الأمثال لله تعالى ،
لأنه قال تعالى : * ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) * والقياس
ضرب أمثال الله تعالى بيقين منا ومنهم ، فهو حرام وباطل ، لنهي الله تعالى عنا
نصا ، وبالله تعالى التوفيق .
فهذا كل ما شغبوا به من القرآن ، ووضعوه في غير مواضعه ، وقد أوردناه
وبينا ذلك لكل ذي حس سليم أنه لا حجة لهم في شئ منه ، وأن أكثره مانع من القول
الاحكام — صفحة 966
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦٦