ومن الطرائف أن المحتجين بهذا يقولون ، أو أكثرهم ، إن الشحم جنس غير اللحم
ويجيزون رطل لحم برطلي شحم ، حتى إن جمهورهم ، وهم صحاب أبي حنيفة ، يرون
شحم الظهر غير شحم البطن ، فيجيزون رطل شحم بطن برطلي شحم الظهر
والمالكيون والشافعيون والحنفيون يجيزون رطل شحم الغنم برطلي شحم الإوز
فأين هذيانهم ، إنه إنما حرم شحم الخنزير قياسا على لحمه ؟ . والشافعيون والحنفيون
والمالكيون يقولون : من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما فإنه لا يحنث ، ولا
خلاف بينهم أن من قال لآخر : ابتع لي بهذا الدرهم لحما فابتاع له به شحما فإنه ضامن .
فبطل قياسهم البارد إن الشحم من الخنزير مقيس على لحمه ، ولا خلاف بينهم أن
العظم لا نسبة بينه وبين اللحم ، ولا يجوز أن يقاس عليه ، ونحن وهم مجمعون على
أن من سحق عظم الخنزير فاستفه فقد عصى الله تعالى ، فصح ضرورة أنه لم يحرم
شحمه قياسا على لحمه ، ولا أنثاه قياسا على ذكره ، وبطل تمويههم والحمد لله .
وإنما حرم شحم الخنزير وغضروفه ودماغه ومخه وعصبه ، وعروقه وجلده
وشعره وعظمه وعضله وسنه وظلفه ، وملكه والأنثى منه ولبنها ، بقول الله تعالى : * ( أو لحم خنزير فإنه رجس ) * والضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور .
وقد أفردنا لذلك بابا في كتابنا هذا وأقرب مذكور إلى الضمير الذي في
( فإنه ) هو الخنزير لا اللحم ، فالخنزير كله بالنص رجس والرجس كله خبيث
محرم بقول الله تعالى : * ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل
الشيطان فاجتنبوه ) * فرجع الضمير في قوله تعالى : إلى الرجس ،
لأنه تعالى لو أراد الأربعة المذكورة في أول الآية لقال : فاجتنبوها ، فلما
لم يقل تعالى ذلك ، ولم يجز أن يكون الضمير راجعا في قوله تعالى : * ( فاجتنبوه ) *
إلى الشيطان . لأننا غير قادرين على اجتنابه ، صح ضرورة أنه راجع إلى
الرجس وعمل الشيطان ، فكان الرجس كله محرما ، وهو من
وعمل الشيطان محرم مأمور باجتنابه ، فكل ما كان رجسا فهو باجتنابه ، والخنزير
رجس فكله محرم مأمور باجتنابه ، وكذلك الخمر والميسر والأنصاب ،
والأزلام ، وكل رجس بالنص المذكور ، وبالله تعالى التوفيق .
الاحكام — صفحة 962
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦٢