صلى الله عليه وسلم لم يبين تلك الأشياء وتركها مهملة ، واحتاجوا فيها إلى قياسهم الفاسد .
وقد بينا الكلام في باب مفرد في ديواننا هذا ، وأخبرنا أنه لا يحل لاحد أن يتبع
متشابه القرآن ، ولا أن يطلب معنى ذلك المتشابه ، وليس إلا الاقرار به ، وأنه من
عند الله تعالى ، كما قال عز وجل في آخر الآية المذكورة : * ( والراسخون في العلم
يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) * وأخبر تعالى فيها فقال : * ( فأما الذين في قلوبهم
زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) * فنص تعالى على أن من طلب
تأويل المتشابه فهو زائغ القلب ، مبتغي فتنة . ونحن نبرأ إلى الله من هذه الصفة ،
فثبت بالنصوص ، ضرورة ، أن تأويل المتشابه ، لا يعلمه أحد إلا الله عز وجل
وحده فقط ، لان ابتغاء معرفته حرام ، وما حرم ابتغاء معرفته فقد سد الباب دون
معرفته ضرورة ، إذ لا يوصل إلى شئ من العمل إلا بعد ابتغائه ، فما حرم ابتغاؤه
فلا سبيل إلى الوصول إليه ، وهذا بين لا خفاء فيه ، وطرق المعارف معروفة
محصورة ، وهي : الحواس والعقل اللذان ركبهما الله في المتعبدين من الحيوان ، وهم
الملائكة والجن ، ومن وضع من ذلك فيه شئ من الانس ، ثم ما أمر الله بتعرفه
وتعرف حكمه فيه ، مما جاء من عنده عز وجل ، وهو القرآن والسنة فقط ، وهذه
كلها طرق أمرنا بسلوكها والاستدلال بها ، وقد نهينا عن طلب معنى المتشابه ،
فصح أنه لا يوصل إلى معرفة معناه من جهة شم الحواس ، ولا من المعقول
ولا من القرآن ولا من السنة ، فإذا كان الامر كذلك فلا سبيل لمخلوق إلى معرفته
إلا أن الذي صح في الآي المحكمات التي أمرنا الله بتدبرها وبتعلمها ، وبطلب
تأويلها والتفقه فيها . فطاعة القرآن فيما أمر الله تعالى فيه ونهى ، وطاعة الرسول
صلى الله عليه وسلم في الذي أمر فيه ونهى وترك التعدي لهذه الحدود ، وبطلان ما عداها ،
فبطل القياس ضرورة لأنه غير هذه الحقائق ، والحمد لله رب العالمين .
واحتجوا فقالوا : حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرمتم شحمه والأنثى منه ، وهذا قياس .
قال أبو محمد : وهذا ظن فاسد منهم ، ومعاذ الله أن نحرم شحم الخنزير وأنثاه
بقياس ، بل بالاجماع الصحيح وبالنص في القرآن ، ولو كان الشحم كحكم
اللحم لوجب ، إذ حرم على بني إسرائيل الشحم ، أن يحرم عليهم اللحم ،
فإذا لم يكن ذلك فقد صح أن الشحم لم يحرم من الخنزير قياسا على اللحم .
الاحكام — صفحة 961
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦١