وكان يلزمه أيضا أن يقيس على الديون فيقبل في سائر الأشياء رجلا وامرأتين
كما جاء النص في الأموال ، وإلا فلأي معنى وجب أن يقاس على الرجعة والطلاق
دون أن يقاس على الديون ؟ فإن ادعى الاجماع ، قيل له : كذبت وجهلت فالحسن
البصري لا يقبل في القتل إلا أربعة شهداء عدول ، وهذا عمر بن الخطاب وعطاء بن
ابن أبي رباح يقبلان في الطلاق النساء دون الرجال ، وعطاء يقبل في الزنى ثماني النسوة ،
وأبو حنيفة يقبل في الطلاق والرجعة والنكاح رجلا وامرأتين ، ولا يقبل ذلك
في الحدود ، وقول الحسن أدخل في القياس ، لان القتل أشبه بالزنى الذي يكون
فيه القتل في الاحصان ، فهو قتل وقتل ، فالقتل بالقتل أشبه من القتل بالطلاق .
وقول عمر وعطاء أشبه بالقياس ، لأنهما جعلا مكان كل رجل امرأتين ، وجلد
الزنا جلد ، وجلد القذف والخمر جلد ، فالجلد بالجلد أشبه من الجلد بالرجعة في
النكاح . وهذا ما لا يحل يخيل على من له أدنى حس سليم ، لا سيما المالكيين الذين
يقولون بقياس القتل على الزنى : أنه إن عبر عن القاتل أن يجلد مائة سوط ويغرب
سنة ، قياسا على الزاني غير المحصن ، فهلا قلدوه عليه فيما يقبل عليه من عدد
الشهود ولكن هكذا يكون من سلك السبل فتفرقت به عن سبيل الله تعالى .
والعجب أن مالكا أجاز في القتل شاهدا واحدا وأيمان الأولياء ، وهذا قياس
على الشاهد واليمين في الأموال ، فلا أجاز ذلك في الطلاق والنكاح والعتق وغير
ذلك وأي فرق بين هذه الوجوه نعوذ بالله من التخليط والآراء والمقاييس
الفاسدة في دين الله تعالى .
واحتج بعضهم في ذلك بالآية الواردة في تعبير الرؤيا ، وهذا تخليط ما شئت
والرؤيا قتل كل كلام لا يقطع بصحتها ، وقد تكون أضغاثا ، والحكم في الدين
استباحة للدماء ، والفروج ، والأموال وإيجاب العبادات ، وإسقاط لكل ذلك ، ولا
يجوز الحكم في شئ من ذلك برؤيا أحد دون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كانت
هذه الرؤيا التي جعلها هذا المحتج أصلا لتصحيح القياس لا يجوز القطع بها في
دين الله تعالى . فالقياس الذي هو فرعها أبعد من ذلك على قضيته الفاسدة التي
رضيها لنفسه ، وأيضا فإن كثيرا من الرؤيا يفسر فيها الشئ بضده ؟ فيحمد القيد
والسواد ، ويذم العرس ، وليس هذا من القياس في ورود ولا صدر ، ولو كان
الاحكام — صفحة 965
مساهمون: ابن حزم
ص٩٦٥