قلنا لهم : وأي دليل لكم في الاجماع ؟ والاجماع لنا لا لكم لان الاجماع
إنما كان من هذا النص المذكور ، فهاتوا دليلا على أنه كان عن قياس ، ولا سبيل
لهم إلى دليل ذلك أصلا ، لا برهاني ولا إقناعي ولا شغبي ، وظهر بطلان
قولهم ، والحمد لله رب العالمين .
ثم نعود إلى إبطال أن يكون حد قاذف الرجل قياسا جملة ولا بد ، فنقول
وبالله تعالى نتأيد : إننا وجدنا أحكام الرجال والنساء تختلف في
مواضع ، فالرجال عليهم الجمعات والجماعات فرضا ، والنساء لا تلزمهن جمعة ولا
جماعة فرضا ، وقد استووا في حكم سائر الصلاة والزكاة ، والمرأة لا تسافر في غير
واجب إلا مع زوج أو ذي محرم ، والرجل يسافر حيث شاء دون زوجة ، ودون
ذي محرم ، والخوف عليه من أن يزني كالخوف عليها من أن تزني ولا فرق ، لان
زناها لا يكون إلا مع رجل ، وحكمهن في اللباس مخالف لحكم الرجل . فلا يجوز
للرجال لباس القمص والعمائم والسراويل في الاحرام ، وهذا مباح للنساء ، واستووا
في تحريم الطيب عليهم وعليهن في الاحرام ، والرجال عليهم الصلاة مع
الامام بمزدلفة صلاة الصبح ، ومباح للنساء السفر قبل ذلك فاستووا فيما عدا ذلك ،
والجهاد على الرجال ، ولا جهاد على النساء ، وشهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل ،
وخصومنا ههنا لا يقبلون النساء أصلا إلا في الأموال مع رجل ولا بد ، وفي
عيوب النساء والولادات فقط . ويقبلون الرجال فيما عدا ذلك ، ولا يقيسون
الرجال عليهن ولا يقيسوهن على الرجال ، وليس هذا إجماعا ، ودية المرأة نصف
دية الرجل ، وكثير من الحاضرين من خصومنا ههنا يسوون بينهن وبين الرجال
في مقدور محدود من الديات ، ويفرقون بين أحكامهم وأحكامهن في سائر ذلك ،
ولا يقيسون النساء على الرجال ، ولا الرجال على النساء ، وحد المرأة كحد الرجل
في القذف والخمر والزنى والقتل والقطع في السرقة ، وفرق بين الحاضرين من
خصومنا في التغريب في الزنى بين الرجال والنساء ، وفرق آخرون منهم في حد
الردة ، بين الرجال والنساء فرأوا قتل الرجل في الردة ، ولم يروا قتل المرأة في الردة ،
وتركوا القياس ههنا ، وللرجل أن ينكح أربعا ويتسرى ، ولا يحل للمرأة
الاحكام — صفحة 959
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٩