قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ، مدرك لا محالة ، فالعينان زناهما
النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ،
والرجل زناها الخطأ ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .
قال أبو محمد : فصح يقينا أن المرمية هي الفروج خاصة ، وأن المحصنة على الحقيقة
هي الفروج إلا ما عداها ، وصح أن الزنى الواجب فيه الحد هو زنى الفروج خاصة
لا زنا سائر الأعضاء ، ولا زنى النفس دون الفرج ، فلا حد في النص كما أوردنا ،
في زنى العينين ، ولا في الرجلين ، ولا في زنى اللسان ، ولا في زنى الاذنين ، ولا
في زنى القلب الذي هو مبعث الأعمال ، وصح أن من رمى العينين بالزنى أو رمى الرجلين
بالزنا أو رمى القلب بالزنى ، أو رمى الاذنين بالزنى ، أو رمى اليدين بالزنى ، أو رمى
أي عضو كان بالزنى ما عدا الفرج - فليس راميا ، ولا حد عليه بالنص ، لان الفرج
إن كذب فهو كله لغو . فصح يقينا أن الرمي الذي يحد فيه الحدود ورد
الشهادة والتفسيق ، إنما رمي الفروج بلا شك ، بيقين لا مرية فيه ، فإذ ذلك
كذلك فقد صح أن مراد الله تعالى بالحدود ورد الشهادة في الآية المتلوة ، إنما
هي رمي الفروج فقط ، فصح قولنا بيقين لا مجال للشك فيه ، وهذا إذ هو كذلك
ففروج الرجال والنساء داخلات في الآية دخولا مستويا .
ثم نسألهم فنقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى : * ( والذين يرمون المحصنات ) *
إذ قلتم أنه تعالى أراد بهذه اللفظة ههنا النساء فقط ، هل أراد الله أن يحد
قاذف الرجل أم لا ؟ ولا بد من إحداهما ، فإن قالوا : لم يرد بقوله تعالى فقد
حكموا على أنفسهم أنهم يحكمون بخلاف ما أراد الله تعالى ، وكفونا أنفسهم .
وإن قالوا : إن الله تعالى أراد أن يحد قاذف الرجل ، قلنا لهم : إن هذا عجب أن
يكون تعالى يريد في دينه وعلمه من عباده أن يحد قاذف الرجل ، ثم لا يأمرنا إلا
بحد قاذف النساء فقط ، حاشا لله من ذلك ، فإنه تلبيس لا بيان ، فإن قالوا : اقتصر
على النساء ونبهنا بذلك على حكم قاذف الرجال قلنا لهم : هاتوا برهانكم إن كنتم
صادقين ، ولم تأتوا بأكثر من الدعوى الكاذبة التي فيها خالفناكم ، فإن كانت عندكم
حجة من نص جلي على صحة هذه الدعوى ، وإلا فهي كذب بحت ، ولستم بصادقين
فيها بنص القرآن ، قالوا : الاجماع قد صح على وجوب حد قاذف الرجل .
الاحكام — صفحة 958
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٨