به ، وشبه تلف جثث أولئك العصاة بالعدل ، وذلك لا يوجب استواءهما في
شئ من الحكم في الشريعة غير الذي نص الله تعالى عليه من البلى بعد الجدة فقط ،
فبطل ظنهم الفاسد ، والحمد لله رب العالمين .
وكذلك أيضا قوله تعالى : * ( مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع
أخرج شطأه فآزره فاستغلظ ) * .
قال أبو محمد : وذلك الزرع يرعى ، وليس متعبدا ولا جزاء عليه ، في الآخر
والقوم الذين شبهوا به ولا شك أنهم خلاف ذلك ، وأنهم متعبدون مجازون
بالجزاء التام في الآخرة .
وأن العجب ليكثر من عظيم تمويههم في الدين ، وتدليسهم فيه باحتجاجهم
بهذه الآيات في القياس وما عقل قط ذو مسكة عقل أنه يجب في هذه الآيات
تحريم بيع التبن بالتبن متفاضلا ، إذا حرم بيع التمر بالتمر متفاضلا وما قائل هذا
إلا قريب من الاستخفاف بالقرآن والشرائع ، ونعوذ بالله من هذا .
واحتج بعضهم في إثبات القياس بآبدة أنست ما تقدم ، وهو أنه قال من الدليل
على صحة القياس قول الله تعالى : * ( والمرسلات عرفا ) * قال : فأشار إلى العرف .
قال أبو محمد : وهذا دليل على فساد عقل المحتج به في إثبات القياس وقلة
حيائه ولا مزيد ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ، ونسأله التوفيق ، ولا عرف
إلا ما بين الله تعالى نصا أنه عرف ، وأما عرف الناس فيما بينهم فلا حكم له
ولا معنى ، وما عرف الناس مذ نشؤوا إلا الظلم والمكوس .
واحتجوا أيضا بأن قالوا : قال الله عز وجل : * ( والذين يرمون المحصنات
ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) * قالوا :
فإنما جاء النص بجلد قاذف المحصنات ، وأنتم تجلدون قاذف الرجال المحصنين
كما تجلدون قاذف المحصنات من النساء ، وهذا قياس .
قال أبو محمد : وهذا ظن فاسد منهم ، وحاشا لله أن يكون قياسا ، ونحن نبدأ
فنبين ، بحول الله وقوته ، من أين أوجبنا جلد قاذف الرجال من نص القرآن
والسنة ، فإذا ظهر البرهان على ذلك لائحا ، بحول الله وقوته ، وأنه من النص عدنا
الاحكام — صفحة 956
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٦