وأما الحقيقة فإن هاتين الآيتين تبطلان القياس إبطالا صحيحا ، لان الله
تعالى مثل الحور العين بالياقوت والمرجان ، ومثل أعمال الكفار بزرع أصابته
ريح فيها صر . ولم يكن تشبيه الحور بالياقوت والمرجان يوجب للياقوت
والمرجان الحكم أحكام الحور العين ، ولا للحور العين الحكم بأحكام الياقوت
والمرجان ، ولا كان شبه عمل الكفار بالزرع الذاهب يوجب للزرع الحكم
بأحكام أعمال الكفار ، من اللعين والبراءة والوعيد ، ولا لأعمال الكفار
بأحكام الزرع من الانتفاع بتبنه في علف الدواب وغير ذلك .
فصح أن تشابه الأشياء لا يوجب لها التساوي في أحكام الديانة ، ولا شئ
أقوى شبها من شيئين شبه الله عز وجل بعضها ببعض ، فإذا كان الشبه الذي
أخبرنا الله تعالى به لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه ،
فبالضرورة تعلم أن الشبه المكذوب المفترى من دعاوى أصحاب القياس أبعد
عن أن يوجب لما شبهوا بينهما حكما واحدا ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بقول الله تعالى : * ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي
العظام وهي رميم ئ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ئ الذي
جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ئ أوليس الذي خلق
السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) * .
قال أبو محمد : وهذا من عجائبهم وطوامهم ، ليت شعري ما في هذه مما يوجب
القياس أو أن يحكم في ألا يكون الصدق أقل مما يقطع فيه اليد ، وأن يرجم
اللوطي كما يرجم الزاني المحصن ؟ ولكاد احتجاجهم بهذه الآية أن يخرجهم إلى
الكفر ، لأنه تعالى لم يوجب أنه يعيد العظام من أجل أنه أنشأها أول مرة ، ولا
أخبر تعالى أن إنشاءه لها أول مرة يوجب أن يعيدها ، ومن ظن هذا فقد افترى .
ومع ذلك فلو كان إنشاء الله تعالى للعظام ، أولا يوجب أن يحييها ثانية ، لوجب ضرورة
إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية ، وهذا
ما لا يقولونه ، ولا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده .
ولو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم ونشأهم فيها
الاحكام — صفحة 953
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٣