وجميع النبات ، وهذا مما لا يقوله إلا ممرور ، وإنما أخبر تعالى في كل هذه الآيات
بأنه يحيي الأرض ويحيي الموتى ويقدر على كل ذلك ، لا على أن بعض ذلك
مقيس على بعض البتة .
وذكروا أيضا في ذلك قول الله تعالى : * ( ويقول الانسان أئذا ما مت لسوف
أخرج حيا أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) * ، وبقوله تعالى :
* ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة
ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم
قال أبو محمد : هذا هو إبطال القياس على الحقيقة ، لأنه لا سبيل إلى أن يخلق
ثانية من نطفة ، ولا من علقة ، ولا من مضغة ، فإنما معنى هذه الآية : من الله تعالى علينا
وتذكيره لنا بقدرته على ما يشاء لا إله إلا هو . وكذلك الآية التي قبلها : أن
الانسان لم يك شيئا ، ثم خلق ، ولا سبيل إلى أن يعود لا شئ أبدا ، بل نفسه
عائدة إلى حيث رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، ويعود الجسم ترابا ، ثم يجمعان
يوم القيامة فيخلد حيا باقيا أبد الأبد بلا نهاية ولا فناء ، في نعيم أو عذاب
فبطل القياس ضرورة من حيث راموا إثباته تمويها على اغترابهم .
وهذه الآيات كلها هي بمنزلة قوله تعالى : * ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع
سمكها فسواها ) * فإنما بين قدرته على ما شاهدنا ، وعلى ما أخبرنا به مما لم نشاهد
وهذا إبطال للقياس ولظنون الجهال ، لان الله تعالى نص على تشابه الأشياء كلها
بعضها لبعض ، ولم يوجب من أجل ذلك التشابه أن تستوي في أحكامها ، وهذا هو
نفس قولنا في إبطال القياس في تسوية الاحكام بين الأشياء المشتبهات ، وبالله التوفيق .
ومثل ذلك قوله تعالى : * ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء
فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ) * وكقوله تعالى : * ( إنا
بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون ) * الآيات
إلى قوله تعالى : * ( كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) * .
قال أبو محمد : ولا شبه أقوى من شبه شهد الله تعالى بصحبته ، فإذا كان الله
تعالى قد شبه الحياة الدنيا بالنبات النابت من الماء النازل من السماء ، فهي أشبه الأشياء
الاحكام — صفحة 955
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٥