أول مرة ، وهذا كفر مجرد ، لا يقول به إلا أصحاب التناسخ ، فقبح الله كل
احتجاج يفر صاحبه من الانقطاع والاذعان للحق إلى ما يؤدي إلى الكفر ،
فبطل تمويههم بهذه الآية ، وصح أن معناها هو اقتضاء ظاهرها فقط ، وهو
أن القادر على خلق الأشياء ابتداء قادر على إحياء الموتى . وقد بين الله تعالى
نصا إذ يقول : * ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء
اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير ) * فبين عز وجل
أنه إنما بين ذلك قدرته على كل شئ .
وإنما عارض الله تعالى بهذا قوما شاهدوا إنشاء الله تعالى للعظام من مني الرجل
والمرأة أقروا بذلك وأنكروا قدرته تعالى على إنشائها ثانية وإحيائها ، فأراهم
الله تعالى فساد تقسيمهم لقدرته كما قال في أخرى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق
السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل
شئ قدير ) * فهذه كتلك ، وليس في شئ منها أن نحكم لما لا نص فيه بالحكم
بما فيه نص من تحريم أو إيجاب أو إباحة أصلا وأن هذا كله باب واحد ، ليس
بعضه مقيسا على بعض ، ولا أصلا والآخر فرعا ، وإقدام أصحاب القياس
وجرأتهم متناسبة في مذاهبهم وفيما يؤيدونها ، نعوذ بالله من الخذلان .
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى : * ( حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت
فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) *
وبقوله تعالى : * ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي أحياها لمحيي الموتى ) *
وبقوله تعالى : * ( فأحيينا به بلدة ميتا كذلك النشور ) * وبقوله تعالى : * ( وأنزلنا من
السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ) * إلى قوله : * ( كذلك الخروج ) *
وبقوله تعالى : * ( فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) * .
قال أبو محمد : وهذا كله من جنس ما ذكرناه آنفا والمحتج بهذه الآيات في
إثبات القياس في الاحكام ، إما جاهل أعمى لا يدري ما القياس ، وإما مموه لا يبالي
ما قال : ولا ما أطلق به لسانه في استدامة حاله ، ولو كان هذا قياسا لوجب أن
يحيي الله الموتى كل سنة في أول الربيع ، ثم يموتون في أول الشتاء كما تفعل الثمار
الاحكام — صفحة 954
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٤