ولا ندري وجه القياس في تغطية آدم عورته بورق الجنة ، وليت شعري
لو قال لهم خصمهم ، مجاوبا لهم بهذا الهذيان : إن هذه حجة في إبطال
القياس بماذا كانوا ينفكون منه ؟ وهل كان يكون بينه وبينهم فرق .
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام إذ قال :
* ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) * .
قال أبو محمد : وهذه كالتي قبلها ، وما يعقل أحد من إحياء الله عز وجل
الطير قياسا ، ولا أنه يوجب أن يكون الأرز بالأرز متفاضلا حراما ، وأن
الاحتجاج بمثل هذا مما ينبغي المسلم أن يخاف الله عز وجل فيه ، وما بين هذا
وبين من احتج في إثبات القياس وفي إبطاله بقول الله تعالى : * ( قل أعوذ برب
الناس ) * فرق ، ولكن من لم يبال بما تكلم سهلت عليه الفضائح ، وليس العار
عارا عند من يقلده ، واحتجوا بقول الله تعالى : * ( كمثل ريح فيها صر أصابت
حرث قوم ظلموا أنفسهم ) * وبقوله تعالى : * ( كأنهن الياقوت والمرجان ) * .
قال أبو محمد : وهذا من نحو ما أوردناه آنفا من العجائب المدهشة ، بينما نحن في
تحريم شئ لم يذكر تحريمه في القرآن والسنة ولا في الاجماع ، من أجل شبهه لشئ
آخر حرم في النص ، حتى خرجنا إلى تشبيه الحور العين بالياقوت والمرجان ،
فكل ذي عقل يدري أن الياقوت والمرجان يباع ويدق ويسرق ، ويخرج من البحر
الملح ، وأنه لا يعقل ولا هو حيوان ، أفترى الحور العين يفعل بهن هذا كله ؟
تعالى الله عن ذلك ، وقد علم كل مسلم أن الحور العين عاقلات أحياء ناطقات ،
يوطأن ويأكلن ويشربن ، فهل الياقوت والمرجان كذلك ؟ وإنما شبه الله تعالى
الحور العين بالياقوت والمرجان في الصفاء فقط ، ونحن لا ننكر تشابه الأشياء
وإنما ننكر أن نحكم المتشابهات بحكم واحد في الشريعة بغير نص ولا إجماع ،
فهذا هو الزور والإفك والضلال ، وأما تشابه الأشياء فحق يقين .
وكذلك شبه الله تعالى بطلان أعمال الكفار ببطلان الزرع بالريح التي فيها الصر
فأي مدخل للقياس ههنا ؟ أترى من بطل زرعه خالدا في جهنم كما يفعل بالكافر ؟
أو ترى الكافر إذا حبط عمله ذهب زرعه في فدانه ، كما يذهب زرع من أصاب
زرعه ريح فيها صر ؟ هذا ما لا يقوله أحد ممن له طباخ .
الاحكام — صفحة 952
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٢