عبد الوارث ، ثنا شعبة بن الحجاج ، ثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأصابع سواء ، الأسنان سواء ، الثنية والضرس سواء ، هذه
وهذه سواء يعني الابهام والخنصر . فانقطع وسكت .
وزاد بعضهم جنونا فاحتج في إثبات القياس بقول الله تعالى : * ( إن كنتم
للرؤيا تعبرون ) * .
قال أبو محمد : وهذا من الجنون ما هو : لان العبارة إنما هي في اللغة البيان عن
الشئ تقول : هذا الكلام عبارة عن كذا ، وعبرت عن فلان إذا بينت عنه ولا
مدخل للحكم في شئ من ذلك لشئ لم يذكر اسمه في الشريعة بالحكم في شئ ذكر
فيها اسمه ، فعارضوا بأن قالوا : العبور هو الجواز والتجاوز من شئ إلى شئ ،
تقول : عبرت النهر . قالوا : والقياس تجاوز شئ منصوص إلى شئ لا نص فيه .
قال أبو محمد : هذا من المكابرة القبيحة ، لان هذا من الأسماء المشتركة التي هي
مثل ضرب من ضراب الجمل وهو سفادة الناقة وضرب بمعنى الايلام بإيقاع
جسم على جسم المضروب بشدة والضرب العمل . وهكذا عبرت الرؤيا فسرتها ،
وعبرت النهر أي تجاوزته ، فهذان معنيان مختلفان ، ليس أحدهما من الآخر في
ورد ولا صدر ، ومصدر عبرت النهر إنما هو العبور ومصدر عبرت الرؤيا إنما
هو العبارة ومصدر اعتبرت في الشئ إذا فكرت فيه الاعتبار والعبرة
الاسم والعبرة والاستعبار التأهب للبكاء والاخذ فيه ، والعبرى نبات يكون
على شطوط الأنهار ، والعبرانية لغة بني إسرائيل ، والعبير ضرب من الطيب .
فإذا قلنا : إن معنى عبرت النهر إنما هو تجاوزته ، ومعنى عبرت الرؤيا إنما هو
فسرتها ، فقد وضح أن هذا غير هذان ولو أن المعبر للرؤيا تجاوزها لما كان مبينا
لها ، بل يكون تاركا لها آخذا في غيرها ، كما فعل عابر النهر إذا تجاوزه إلى البر ،
والاعتبار أيضا معنى ثالث غير هذين بلا شك ، فخلط هؤلاء القوم وأتوا بالسفسطة
المجردة ، وهو أن يأتي بألفاظ مشتركة تقع على معاني شتى ، فيخلط بها على الناس ليوهم
أهل العقل أشياء تخرجهم عن نور الحق إلى ظلمة الباطل ، وقد حذر الأوائل من
هذا الباب جدا ، وأخبروا أنه أقوى الأسباب في دخول الآفات على الافهام ،
وفي إفساد الحقائق ، وقد نبهنا نحن عليه في مواضع كثيرة من كتابنا هذا ، ومن سائر
الاحكام — صفحة 950
مساهمون: ابن حزم
ص٩٥٠