ابن عباس من قوله في دية الأصابع ، ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان ، عقلها سواء
وإن اختلفت منافعها .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان ابن عباس إنما أراد بقوله : هلا
اعتبرتم أي هلا تبينتم ذلك بالأصابع فاستبنتم ، لان العبارة عن الشئ هو ما يتبين
به الشئ ، أي هلا تبينتم أن اختلاف المنافع لا يوجب اختلاف الدية ، أو هلا
فكرتم وعجبتم في الأصابع ، ورأيتم أن اختلاف منافعها لا يوجب اختلاف دياتها
ولا اختلاف أحكامها ، كما أن الأسنان أيضا كذلك ، وهذا نص جلي من ابن عباس
على إبطال القياس ، والعلل الموجبة عند القائلين بالقياس لاستواء الاحكام ،
لأنهم يقولون : إن الدية إنما هي عوض عن الأعضاء المصابة ، فيقيسون فقد
السمع على فقد البصر في الدية ، لان المنفعة بذلك متساوية فأبطل ابن عباس ذلك
ورد إلى نص ، ولم يجد الأصابع أصلا للأسنان يقاس عليه ، ولا جعل
الأسنان أصلا للأصابع يقاس عليه ، بل سوى بين كل ذلك تسوية واحدة ، وهذا
هو ضد القياس ، لان القياس عند القائلين به إنما هو رد الفرع إلى الأصل ،
وليس ههنا أصل وفرع ، بل النص ورد أن الأصابع سواء وأن الأسنان سواء
ورودا مستويا فبطل تمويههم الذي راموا به تصحيح أن القياس يسمى عبرة .
ولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر فقلت له : إن القياس عند جميع
القائلين به ، وأنت منهم ، إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه أو رد
ما لا نص فيه إلى ما فيه نص ، وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع ، بل الخلاف
موجود في كليهما ، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع وبين دية الأضراس ،
وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك ، فبطل ههنا رد المختلف فيه إلى المجمع
عليه والنص في الأصابع والأسنان سواء ، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند
ابن عباس نص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس
ثم يفتي هو بذلك قياسا .
فقال لي : وأين النص بذلك عن ابن عباس ؟ فذكرت له الخبر الذي حدثناه
عبد الله بن ربيع التميمي : ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ، ثنا محمد بن بكر ، ثنا سليمان
ابن الأشعث السجستاني ، ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري ، ثنا عبد الصمد بن
الاحكام — صفحة 949
مساهمون: ابن حزم
ص٩٤٩