لو قالوا كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد المحرم علينا قتله أن نجزيه بمثله من النعم .
فكذلك إذا قتلنا شيئا من النعم حراما علينا لملك غيرنا له ، فواجب علينا أن نجزيه
بمثله من الصيد ، وأيضا فكما قاسوا ملك الله تعالى الصيود فأوجبوا الجزاء على
قاتلها مخطئا ، وخالفوا القرآن في ذلك قياسا على ملك الناس ، فواجب عليهم على
أصلهم الفاسد أن يقيسوا ملك الناس من النعم ، ومن الصيد إذا قتله فيلزموه
أن يجزيه بمثله ، إن كان صيدا فمن النعم ، وإن كان من النعم فمثله من الصيد . فهذا
حقيقة القياس الذي إن قالوه كفروا ، وإن تركوا القياس وتناقضوا ووفقوا في
تركهم له ، وأيضا فإن كانت هذه الآية متيحة للقياس ، فينبغي ألا يكون إلا
حتى يحكم فيه ذوا عدل منا ، أو يكون عدل ذلك صياما . فهكذا هو الحكم في
الآية ، وأما الآية المذكورة فلا نسبة بينها وبين القياس البتة ، وإنما فيها أن الصيد
يكون مثلا للنعم وهذا أمر لا ننكره ، فالعالم كله متماثل في بعض أوصافه ، وإنما
أنكرنا أن نحكم في الديانة شئ لم يأت فيه ذلك الحكم من الله تعالى بمثل الحكم
المنصوص فيما يشبهه ، فهذا هو الباطل والخطأ والحرام الذي لا يحل وبالله تعالى نتأيد .
واحتج أيضا بعضهم بقول الله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * وبقوله تعالى :
* ( فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) * قالوا : فقستم واجد الثمن
للماء والثمن للرقبة ، وإن لم يكن عنده رقبة ولا ماء ، على من عنده الرقبة والماء ،
فلم تجيزوا لهما التيمم ولا الصيام .
قال أبو محمد : وهذا من ذلك التمويه المعهود ، ويعيذنا الله تعالى أن نقول بالقياس
في شئ من الدين ، وليس ما ذكروا قياسا ولكنه نص جلي بلا تأويل فيه البتة ،
لان الله تعالى إنما قال في آية كفارة قتل الخطأ والعود للظهار بعد إيجاب الرقبة .
* ( فمن لم يجد فصيام شهرين ) * ولم يقل تعالى فمن لم يجد رقبة ، ولكنه تعالى أطلق
الوجود ، فكل وجود يتوصل به إلى عتق الرقبة ، فإنه مانع من الصيام ، فالواجب
اتباعه ، لأنه موافق لظاهر الآية الذي لا يجوز خلافه ، وهكذا القول في كفارة
الواطئ في نهار رمضان ، وأما التيمم لمن لم يكن له ماء وعنده ثمن يبتاع به الماء ،
فإن أصحابنا قالوا ما ذكر هؤلاء ، ورأوا واجبا على من وجد ماء للشراء أن يبتاعه
بقيمته في الوقت لا بأكثر . وقال غيرهم : بأكثر من قيمته ما لم يجحف به .
الاحكام — صفحة 941
مساهمون: ابن حزم
ص٩٤١