فصح بهذه الآية أنه لا يمكن أن يكون إجماع أبدا إلا على ما جاء من عند الله
تعالى بالوحي الذي لا يعلم ما عند الله تعالى إلا به ، والذي قد انقطع بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم فبطل بهذه النصوص يقينا أن يجمعوا على غير نص صحيح .
واحتجوا بقول الله تعالى في آية الكلالة : * ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت
فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ) * قالوا : فأنتم تقولون : إن الميراث
ههنا إنما هو بعد الدين والوصية ، قالوا : وليس هذا في الآية فإنما قلتموه قياسا
على سائر آيات المواريث التي فيها أنها بعد الوصية والدين .
قال أبو محمد : وهذا خطأ عظيم ، ونعوذ بالله تعالى من أن نثبت الميراث في
مواريث الاخوة بعد الوصية والدين من طريق القياس ، وما أثبتنا ذلك إلا بنص
النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يقدم إلى الجنازة فيسأل صلى الله عليه وسلم : أعليه دين ؟ فإن قيل
له : لا صلى عليه ، وإن قيل له : نعم سأل صلى الله عليه وسلم : أعليه وفاء ؟ فإن قيل
له : نعم صلى عليه ، وإن قالوا : لا قال صلى الله عليه وسلم : صلوا على صاحبكم ولم
يصل هو عليه ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إن الشهيد يغفر له كل شئ إلا الدين
أو كلاما هذا معناه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم مرتهن بدينه وبأمره عليه
السلام بالوصية جملة لمن عنده شئ يوصي فيه ، وبأمره صلى الله عليه وسلم بالوصية
بالثلث فدون .
وقال صلى الله عليه وسلم في الوصية بالثلث والنهي عن الوصية بأكثر : إنك
إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة أو كما قال صلى الله عليه وسلم فعم صلى
الله عليه وسلم الورثة كلهم ، ولم يخص أخا ولا أختا من غيرهما ، فصح ضرورة أن
لا ميراث لاحد إلا بعد الدين ثم الوصية ، فسقط تمويههم بذكر الآية المذكورة .
ثم نعكس عليهم هذا السؤال المذكور بعينه ، فنقول لهم : إذا فعلتم أنتم ذلك
في آية الكلالة قياسا على سائر المواريث ، فيلزمكم أن توجبوا الاطعام في كفارة
القتل لمن عجز عن الصيام والرقبة ، قياسا على كفارة الظهار ، وقياسا على كفارة
الواطئ في نهار رمضان ، ولا تفرقوا بين الامرين ، فقد ذكر الله تعالى في كلتا
الآيتين عتق الرقبة ثم الصيام لشهرين متتابعين ، ثم ذكر تعالى في أحدهما تعويض
الاطعام من الصيام ، فافعلوا ذلك في المسكوت عنه من الآية الأخرى ، لا سيما وأنتم
الاحكام — صفحة 939
مساهمون: ابن حزم
ص٩٣٩