تعالى على الامساك ، والامساك على عمومه يقتضي النقير وغير النقير ،
وأقل من النقير وأكثر منه .
واحتجوا في ذلك أيضا بقول الله تعالى : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) * وبقوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم ) * قالوا : فلم يخص الله تعالى ما قال أولو الامر منا
بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم مما قالوه بقياس .
قال أبو محمد : هذا الاحتجاج منهم جمع الشناعة والاثم لان الله تعالى لم يأمر
قط أولي الامر منا أن يقولوا بآرائهم ولا بقياساتهم ، ولا أن يقولوا ما شاؤوا ،
وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا ، أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى
على نبيه صلى الله عليه وسلم وينذروا بذلك قومهم ، وهذا بين في قوله تعالى : * ( واعتصموا
بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) * ، وفي قوله تعالى : * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * ، وفي
قوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ، وفي قوله تعالى : * ( وأن تقولوا على الله
ما لا تعلمون ) * . قال أبو محمد : ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله ، وقفا ما لا علم
به ، وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى إلا بإخبار من الله
تعالى بذلك ، وإلا فهو باطل ، وقد بينا فيما خلا أن قول الله تعالى : * ( أولي الامر
منكم ) * إنما هو جميع أولي الامر لا بعضهم ولم يجمعوا قط على القول بالقياس ،
فكيف نكون نحن مأمورين باتباعهم فيما افترقوا فيه ؟ . وهذا ضد أمر الله تعالى
في القرآن وبرهان قاطع وهو أن الله تعالى قال : * ( ومن يتعد حدود الله فقد
ظلم نفسه ) * وحدود الله تعالى هي كل ما حد وبين فصح أنه ليس لأحد أن يتعدى
في شئ من الدين ما حده الله تعالى في القرآن ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي
فبطل أن يحمل أولوا الامر على تعدي حدود الله تعالى ، لأنه باطل فقد اتفقنا
أنهم لا يجمعون على باطل ، وكل ما لم يكن من حدود الله تعالى ، ووحيه فهو من
عند الله ضرورة لا بد من ذلك ، وقد قال تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * .
الاحكام — صفحة 938
مساهمون: ابن حزم
ص٩٣٨