ثم قالوا في ذلك بحديث لا يصح فيه من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ .
قال أبو محمد : ولو صح لما كان مانعا من إيجاب الوضوء في مسه بغير اليد ،
لأنه إنما يكون في هذه الرواية التي احتجوا بها ذكر الافضاء باليد فقط ،
وكان يكون في الحديث الآخر المس جملة ، كما لم يكن في قوله صلى الله عليه وسلم : من
مس فرجه فليتوضأ ما يوجب إسقاط الوضوء من الريح والغائط ، بل كان
مضافا إليه ومجموعا معه .
ثم نقضوا هذا فقالوا في حديثين وردا : أحدهما : إذا وقعت الحدود فلا
شفعة والآخر : إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فاستعملوا
كلا اللفظين ولم يجعلوهما حديثا واحدا ، بل أوجبوا قطع الشفعة بتحديد الحدود
وإن لم تصرف الطرق ، وقالوا : نعم إذا حدث الحدود فلا شفعة وإذا زيد في ذلك
فصرفت الطرق فلا شفعة أيضا .
قال أبو محمد : ولم يفعل ذلك الحنفيون ههنا ولكنهم قد نقضوه فيما ذكرنا
آنفا من مس الفرج ، ونقضه بعضهم في حديثين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
في أحدهما : أنه عليه السلام مسح بناصيته ، وفي الآخر : أنه مسح على العمامة
فقالوا : هذا حديث واحد ، ولا يجزئ المسح على العمامة دون الناصية .
قال أبو محمد : وهذا خلاف ما فعلوا في الشفعة مع أن كون الحديث الذي
فيه ذكر الناصية غير الحديث الذي فيه ذكر العمامة ، أبين من أن يحتاج فيه
كلفة ، لان راوي الناصية المغيرة بن شعبة ، وراوي العمامة فقط بلال وعمرو بن أبي
أمية الضمري معا ، فمن ادعى أنهما حديث واحد فقد افترى وقفا ما ليس له به
علم ، وذلك لا يحل وقد كان ينبغي لهم أن يحكموا المسكوت عنه من المسح على
الرأس المستور ، بحكمهم على الرجلين المستورين كما حكموا بالمسح على الجرموقين
قياسا على الخفين ، وكما قاسوا المسح على الجبائر في الذراعين على المسح على الخفين
في الرجلين ، والجبائر لم يأت ذكرها في نص صحيح أصلا ، وإذا جاز عندهم تعويض
المسح عليها من غسل الذراعين فتعويض المسح على العمامة من مسح الرأس أولى ،
لان هذا مسح عوض من مسح ، وذلك مسح عوض من غسل ، وكان قياس
الرأس على الرجلين ، لأنهما طرفا الجسد ، ولأنهما جميعا يسقطان في التيمم :
الاحكام — صفحة 927
مساهمون: ابن حزم
ص٩٢٧