منعت من ذلك ، وكان تناقض هذه الطائفة أعظم ، لأنهم أوجبوا الكفارة
على قاتل الصيد خطأ : قياسا على قاتله عمدا ، ومنعوا من الكفارة في قتل المؤمن
عمدا ، ولم يقيسوه على قتله خطأ ، هذا وكلهم يسمع قول الله تعالى : * ( وليس عليكم
جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) * وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : رفع
عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فوجب بهذين النصين أن
لا يؤخذ أحد بخطأ من فعله ، إلا ما جاء به النص من إيجاب الكفارة على
المخطئ في قتل المؤمن ، وما أجمعت الأمة عليه من ضمان الخطأ في إتلاف الأموال ،
وأن الوضوء ينتقض بالاحداث الخارجة من المخرجين بالنسيان كالعمد فقط .
ومن تناقضهم أن قالت طوائف منهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم : من باع نخلا
وفيها تمر قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترط المبتاع فقال بعضهم : إذا ظهر ،
أبر أو لم يؤبر ، فهو للبائع ، وهذا قول أبي حنيفة ، وقد كثر تناقض أصحابه
في دليل الخطاب جدا .
وقالت طوائف منهم : واجب أن تكون الرقبة في الظهار إلا مؤمنة ،
لان الرقبة التي ذكرت في كفارة القتل لا تكون إلا مؤمنة ، فوجب أن تكون
الرقبة المسكوت عن ذكر دينها في الظهار مثل الرقبة المذكور دينها في القتل .
ثم قال بعض هذه الطائفة لما ذكر صلى الله عليه وسلم القلتين في قوله : إذا بلغ الماء
قلتين لم يحمل خبثا وجب أن يكون لها ما دون القلتين بخلا ف القلتين .
قال أبو محمد : فهلا قالوا في الرقبة كذلك ، وأوجبوا أن يكون المسكوت عنها
بخلاف المذكور دينها ، كما جعلوا المسكوت عنه فيما دون القلتين بخلاف المذكور
من القلتين ؟ أو هلا جعلوا المسكوت عنه مما دون القلتين مثل القلتين ، كما جعلوا
المسكوت عن دينها في الظهار مثل المذكور دينها في القتل ؟ .
وقالت طائفة أخرى منهم : لا يقول المأموم : سمع الله لمن حمده ، لان ذلك
لم يذكر في بعض الأحاديث ، ولا يقول الامام : آمين ، لأنه لم يذكر ذلك في
بعض الأحاديث ، وإن كان قد ذكر في غيرها ، لكن يغلب المسكوت ههنا ،
فلا نقول إلا ما جاء في كلا الحديثين ذكره . ثم قالت : الجزية من غير أهل
الكتاب ، وإن كان الله تعالى لم يأمر بأخذها إلا من أهل الكتاب ، وادعوا
الاحكام — صفحة 924
مساهمون: ابن حزم
ص٩٢٤