قد عوض من الصيام بالاطعام في كفارة الظهار التي قسنا آنفا رقبتها على رقبة القتل ،
وقاس بعضهم التيمم على الوضوء ، أن لا بد من بلوغ التيمم إلى المرفقين وأبوا
أن يقيسوا مسح الرأس في التيمم على مسحه في الوضوء .
وقالوا : الحكم المسكوت عنه بحكم المذكور ههنا ، ثم لم يقيسوا قوله تعالى في
الرجعة : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * على قوله تعالى في الدين : * ( فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ) * فقالوا : هذا لا نحكم عنه للمسكوت عنه بحكم المذكور ،
وقالوا هنالك : نحكم للمسكوت عنه بحكم المذكور .
وأما الحنفيون فحكموا في آيتي الشهادة المسكوت عنه بحكم المذكور ، فقبلوا
النساء في الرجعة والطلاق والنكاح وفي آية التيمم ، فأوجبوا إلى المرفقين ، ولم
يحكموا في رقب الظهار والقتل والكفارة للمسكوت عنه بحكم المذكور ، ولا حكموا
لغير السائمة بحكم السائمة ، ففرقوا ههنا بين المسكوت عنه وبين المذكور ، فكل
طائفة منهم تحكمت في دين الله بعقولها وتقليدها الفاسد ، بلا برهان .
وقد احتج بعضهم علي حيث وافق هواه ، بأن البدل حكمه حكم المبدل منه
فأعلمته بأن ذلك باطل بلغة العرب التي خوطبنا بها في القرآن والسنة ، وبحكم
الشريعة ، أما اللغة فإن البدل على أربعة أضرب : بدل البعض من الكل ، وبدل
البيان ، وبدل الغلط ، وبدل الصفة من الموصوف ، فليس في هذه الوجوه بدل
يكون حكمه حكم المبدل منه إلا بدل البيان وحده ، كقولك : مررت بزيد رجل
صالح على أن أحدهما نكرة الآخر معرفة ، وأما القرآن فقد أبدل الله تعالى
من عتق رقبة الكفارة ، صيام ثلاثة أيام ، ومن عتق رقبة الظهار صيام شهرين
متتابعين ، وأبدل من عتق رقبة الكفارة إطعام عشرة مساكين ، ومن هؤلاء
العشرة صيام ثلاثة أيام ، وأبدل من صيام الشهرين إطعام ستين مسكينا ، وأبدل
تعالى من هدي المتعة صيام عشرة أيام ، ومن هدي الأذى صيام ثلاثة أيام
فبطل ما ادعوه .
وقالت طائفة منهم في قوله صلى الله عليه وسلم : من مس فرجه فليتوضأ لا ينقض
الوضوء إلا من مسة بباطن يده دون ظاهرها ، فلم يحكموا في ذلك بكل ما يقع
عليه اسم مس .
الاحكام — صفحة 926
مساهمون: ابن حزم
ص٩٢٦