الباب الثامن والثلاثون في إبطال القياس في أحكام الدين
قال أبو محمد : علي بن أحمد رضوان الله عليه : ذهب طوائف من المتأخرين من
أهل الفتيا إلى القول بالقياس في الدين ، وذكروا أن مسائل ونوازل ترد لا ذكر
لها في نص كلام الله تعالى ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع الناس عليها
قالوا : فننظر إلى ما يشبهها مما ذكر في القرآن ، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فنحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع ، بمثل الحكم الوارد في نظيره في النص والاجماع ،
فالقياس عندهم هو أن يحكم لما لا نص فيه ولا إجماع ، بمثل الحكم فيما فيه نص
أو إجماع ، لاتفاقهما في العلة التي هي علامة الحكم ، هذا قول جميع حذاق أصحاب
القياس وهم جميع أصحاب الشافعي وطوائف من الحنفيين والمالكيين ، وقالت
طوائف من الحنفيين والمالكيين : لاتفاقهما في نوع من الشبه فقط .
وقال بعض من لا يدري ، ما القياس ولا الفقه من المتأخرين ، وهو محمد بن الطيب
الباقلاني : القياس هو حمل أحد المعلومين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام
لهما أو إسقاطه عنهما من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه .
قال علي : وهذا كلام لا يعقل ، وهو أشبه بكلام المرورين منه بكلام غيرهم ،
وكله خبط وتخليط ، ثم لو تحصل منه شئ ، وهو لا يتحصل ، لكان دعوى كاذبة
بلا برهان ، وأطرف شئ قوله : أحد المعلومين فليت شعري ، ما هذان المعلومان
ومن علمهما ؟ ثم ذكر إيجاب بعض الأحكام أو إسقاطه وهما ضدان ، ثم قال :
من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه وهذه لكنه وعي وتخليط
ونسأل الله السلامة ، وإنما أوردناه ليقف على تخليطه كل من له أدنى فهم ، ثم نعود
إلى ما يتحصل منه معنى يفهم ، وإن كان باطلا من أقوال سائر أهل القياس
وقال أبو حنيفة : الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من القياس ،
ولا يحل القياس مع وجوده قال : والرواية عن الصاحب الذي لا يعرف له مخالف
منهم ، أولى القياس : قال : ولا يجوز الحكم بالقياس في الكفارات ، ولا في
الحدود ، ولا في المقدرات . وقال الشافعي : لا يجوز القياس مع نص قرآن ، أو خبر