روى المالكيون حديث القطع في ربع دينار ، فقالوا : لا يستباح فرج زوجة
بأقل من ربع دينار ، قياسا على ما يقطع فيه يد السارق ، وذكر ربع الدينار
في القطع موجب ألا يكون الصداق أقل منه ، ثم قالوا : لا يقطع المستعير
لأنه ليس سارقا ، وذكر الله تعالى السارق موجب ألا يقطع من ليس سارقا .
ثم قالوا : من سرق شيئا فأكله قبل أن يخرج من حرزه ، وإن كان يساوي
دنانير ، فلا قطع عليه ، فخصوا بالقطع بعض السراق دون بعض .
وكذلك فعل الحنفيون سواء بسواء ، إلا أنهم قالوا : لا يقطع سارق لحم ولا
مصحف ولا فاكهة ولا زرنيخ . وروى محمد بن المغيرة المخزومي عن مالك :
أن الاناء يغسل من ولوغ الخنزير سبعا ، قياسا على الحديث الوارد في الكلب ،
ثم قالوا : لا يغسل من لعاب الكلب ثوب ولا جسد ، لأنه إنما ذكر في الحديث
الاناء ولم يذكر غيره ، ثم روى ابن القاسم عنه أنه قال : لا يهرق الاناء إلا أن
يكون فيه ماء وأما غير الماء فلا يضره ولوغ الكلب .
وأما الشافعيون فأتوا إلى آية الظهار فقاسوا على الام والأخت ، وقالوا : ذكر
الله تعالى الام دليلا على أن الأخت مثلها ، ثم قالوا : ذكر الله تعالى المظاهر
دليل على أن المرأة إذا ظاهرت من زوجها بخلاف ذلك ، ثم قالوا : ومن ظاهر
من أمته فلا كفارة عليه ، فخصوا بعض النساء المذكورات في الآية بلا دليل ،
كل ذلك ومثل هذا في أقوالهم كثير ، بل هو أكثر أقوالهم ، وما سلم منها من
التناقض إلا الأقل ، وكلها يهدم بعضها بعضا ، ويدل هذا دلالة قطع على أن
أقوالهم من عند غير الله تعالى ، إذا ما كان من عند الله تعالى فلا اختلاف فيه
ولا تعارض ، وبعضه يصدق بعضا .
فصل
من تناقضهم في ذلك أيضا
قال أبو محمد : نص الله تعالى على إيجاب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ ،
فأوجبها القياسيون قتل المؤمن الذمي خطأ ، ولا ذكر له في الآية أصلا ، ثم
اختلفوا : فطائفة أوجبت الكفارة في قتل العمد قياسا على قتل الخطأ ، وطائفة
الاحكام — صفحة 923
مساهمون: ابن حزم
ص٩٢٣