مالك وأبي حنيفة والشافعي ، فإنهم إنما يأخذون من الحجاج ما وافق مذهبهم
وإن كان خبرا موضوعا أو شغبا فاسدا ، ويتركون ما خالفه ، وإن كان نص قرآن
أو خبرا مسندا من نقل الثقات .
والعجب أنهم ينسون التقليد ، ويقولون : إن المقلد عاص لله ، ويقولون :
لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة ، ويقولون : ليس أحد بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك ، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول
صاحبهم بوجه من الوجوه .
وأما أهل بلادنا فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم وطالبه منهم ، في
الندرة ، إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا ، فيعرضون كلام الله تعالى ، وكلام الرسول عليه
السلام على قول صاحبهم ، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب ، فإن وافق قول
الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم قول صاحبهم أخذوا به ، وإن خالفاه تركوا قول
الله جانبا وقوله صلى الله عليه وسلم ظهريا ، وثبتوا على قول صاحبهم ، وما نعلم في المعاصي
ولا في الكبائر ، بعد الشرك المجرد ، أعظم من هذه ، وأنه لأشد من القتل والزنى .
لان فيما ذكرنا الاستخفاف بالله عز وجل ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالدين ، ولأن
من ذكرنا قد جاءته موعظة من ربه فلم ينته ، وعاد إلى ما نهي عنه ، وعرف أنه
باطل ، فتدين به واستحله وعلمه الناس ، وأما القاتل والزاني فعالمان أن فعلهما
خطأ ، وأنهما مذنبان ، فهما أحسن حالا ممن ذكرنا ، وقد قال تعالى : * ( فمن جاءه
موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار
فيها خالدون ) * .
هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد ، وأنهم قد نهوا أصحابهم
عن تقليدهم ، وكان أشدهم في ذلك الشافعي ، فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في
اتباع صحاح الآثار ، والاخذ بما أوجبته الحجة ، حيث لم يبلغ غيره ، وتبرأ من
أن يقلد جملة ، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره ، فلقد كان سببا إلى خير
كثير ، فمن أسوأ حالا ممن يعتقد أن التقليد ضلال ، وأن التقليد هو اعتقاد القول
قبل اعتقاد دليله ، ثم هم لا يفارقون في شئ من دينهم ؟ وهذا مع ما فيه من
المخالفة لله عز وجل ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم نعوذ بالله من الخذلان
الاحكام — صفحة 837
مساهمون: ابن حزم
ص٨٣٧