والتابعين ، وفقهه وفضله وورعه وتحفظه في الفتيا ، أو قلد إسحاق بن إبراهيم
الحنظلي ، فقد كان كذلك مع دقة النظر وصحة الفهم ، أو قلد أبا ثور ، فقد كان
غاية في ذلك كله .
وإن كان حنبليا فقيل له : قلد محمد بن نصر المروزي ، فإنه أتى متعقبا بعد
أحمد ، ولقد لقي أحمد وأخذ عنه وحوى علمه ، ولقي أصحاب مالك والشافعي
وأصحاب أصحاب أبي حنيفة ، وأخذ علمهم ، وقد كان في الغاية التي لا وراء بعدها
في سعة العلم بالقرآن والحديث والآثار والحجاج ودقة النظر ، مع الورع العظيم
والدين المتين ، أو محمد بن جرير الطبري ، فكان في علمه ودينه بحيث عرف ،
أو الطحاوي فقد كان من العلم ، بالقرآن والحديث واختلاف الناس والآثار
بحيث قد عرفه أهل العلم أو داود بن علي ، فكان من سعة الرواية والعلم
بالقرآن والحديث والآثار والاجماع والاختلاف ودقة النظر والورع بحيث
لا مزيد ، وقد أتى متأخرا متعقبا مشرفا على مذهب كل من تقدمه .
فإن قلد داود قيل له : قلد من أتى بعده متعقبا عليه ومخالفه ، كولده ، وابن
سريج ، وكالطبري ، وكمحمد بن نصر المروزي ، والطحاوي ، وهكذا أبدا يقلد الآخر
فالآخر وهذا خروج عن المعقول والقياس ، وعن الدين جملة .
وحتى لو مالوا إلى تقليد الأفضل لبطل عليهم بأن الأفاضل على خلاف ذلك ،
فقد رجع عمر إلى قول المرأة من عرض النساء ، إذ هم بالمنع من المغالاة في
الصداق ، وعمر أفضل منها بلا شك ، وقد كان أبو بكر وعمر يجمعان الصحابة
ويسألانهم ، فلو كان قول الأفضل واجبا أن يتبع ، لما كان لجمعهما الصحابة معنى
لأنهما أفضل ممن جمعا ليعرفا ما عندهم ، ولكانا في ذلك مخطئين .
وكل هذا أقوال فاسدة بلا برهان على صحة شئ منها ، وليس طريق الفضل من
طريق الاتباع في شئ ، فقد يخطئ الفاضل فيحرم اتباعه على الخطأ ولا ينقص
ذلك من فضله شيئا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء : سلمان أفقه
منك إذ منعه سلمان من قيام جميع الليل ومن مواترة الصيام ، فكان سلمان
أفقه من أبي الدرداء . . . . وكان أبو الدرداء أفضل من سلمان ، فأبو الدرداء بدري
الاحكام — صفحة 840
مساهمون: ابن حزم
ص٨٤٠