وهذا كلها أحاديث صحاح الأسانيد لا مطعن فيها ، وبهذا يلوح كذب الاخبار
المفتعلة بخلافها ، لان تلك لا تصح من طريق النقل أصلا ، فبطل ظنهم أن أحد
جمع القرآن وألفه دون النبي صلى الله عليه وسلم .
ومما يبين بطلان هذا القول ببرهان واضح ، أن في بعض المصاحف التي وجه بها
عثمان رضي الله عنه إلى الآفاق واوات زائدة على سائرها ، وفي بعض المصاحف * ( إن
الله لهو الغني الحميد ) * في سورة الحديد وفي بعضها بنقصان هو .
وأيضا فمن المحال أن يكون عثمان رضي الله عنه أقرأ الخلفاء ، وأقدمهم صحبة ،
وكان يحفظ القرآن كله ظاهرا ويقوم به في ركعة ، ويترك قراءته التي أخذها
من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرجع إلى قراءة زيد ، وهو صبي من صبيانه ، وهذا
ما لا يظنه إلا جاهل غبي .
ومنها أن عاصما روى عن زر ، وقرأ عليه ، لم يقرأ على زيد ، ولا على من
قرأ على زيد شيئا ، إلا أنه قد صح عنه أنه عرض على زيد فلم يخالف ابن مسعود ،
وهذا ابن عامر قارئ أهل الشام لم يقرأ على زيد شيئا ، ولا على من قرأ على
زيد ، وإنما قرأ على أبي الدرداء ، ومن طريق عثمان رضي الله عنهما ، وكذلك حمزة
لم يأخذ من طريق زيد شيئا .
وقد غلط قوم فسموا الاخذ بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اتفق عليه علماء
الأمة ، تقليدا ، وهذا هو فعل أهل السفسطة ، والطالبين لتلبيس العلوم وإفسادها
وإبطال الحقائق ، وإيقاع الحيرة ، فلا شئ أعون على ذلك من تخليط الأسماء
الواقعة على المعنى ومزجها ، حتى يوقعوا على الحق اسم الباطل ، لينفروا عنه الناس ،
ويوقعوا على الباطل اسم الحق ، ليوقعوا فيه من أحسن الظن بهم ، وليجوزوه عند
الناس . كما يحكى عن فساق باعة الدواب أنهم يسمون أواريهم بأسماء البلاد ،
فإذا عرض الحمار للبيع أقسم بالله : إن البارحة نزل من بلد كذا وكذا ، وهو يعني
الآري الذي اعتلف فيه ويظن المبتاع أنه من جلب المذكور ، فهذا فعل
أهل الشر والفسق . وفاعل هذا في الديانة أسوأ حالا وأعظم جرما من فاعله في
الاحكام — صفحة 835
مساهمون: ابن حزم
ص٨٣٥