سائر المعاملات ، فاعلم الآن : أن قبول ما صح بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقبول
ما أوجبه القرآن بنصه وظاهره ، وقبول ما أجمعت عليه الأمة ، ليس تقليدا ، ولا يحل
لاحد أن يسميه تقليدا ، لان ذلك تلبيس وإشكال ، ومزج الحق بالباطل ،
لان التقليد على الحقيقة إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي صلى الله عليه وسلم بغير
برهان . فهذا هو الذي أجمعت الأمة على تسميته تقليدا ، وقام البرهان على
بطلانه ، وهو غير ما قام البرهان على صحته ، فحرام أن يسمى الحق باسم الباطل ،
والباطل باسم الحق ، وقد قال تعالى : * ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم
ما أنزل الله بها من سلطان ) * وقد أنذر عليه السلام بقوم يستحلون الخمر يسمونها
بغير اسمها .
وقد احتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى : * ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) *
قالوا : وقد أوجب الله تعالى على الناس قبول نذارة المنذر لهم ، قالوا وهذا أمر
منه تعالى بتقليد العامي للعالم .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الله تعالى لم يأمر قط بقبول ما قال
المنذر مطلقا ، لكنه يقال : إنما أمر بقبول ما أخذ ذلك في تفقههم في الدين
عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الله عز وجل ، لا ما اخترع مخترع من عند نفسه ،
ولا ما زاد زائد في الدين من قبل رأيه ، ومن تأول ذلك على الله عز وجل ، وأجاز
لاحد من المخلوقين أن يشرع شريعة غير منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم -
فقد كفر وحل دمه وماله ، وقد سمى الله من فعل ذلك مفتريا فقال تعالى : * ( آلله
أذن لكم أم على الله تفترون ) * .
قال أبو محمد : وظن قوم أنهم تخلصوا من التقليد بوجه به تحققوا بالدخول
فيه ، وتوسطوا عنصره ، وهو أنهم يبطلون حجاجا تؤيد ما وجدوا أسلافهم عليه فقط ،
ثم لا يبالون أشغبا كانت الحجاج أم حقا ، ويضربون عن كل حجة خالفت
قولهم . فإن كانت آية أو حديثا تأولوا فيها التأويلات البعيدة ، وحرفوهما عن
مواضعهما فدخلوا في قوله تعالى : * ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) * فإن أعياهم ذلك
قالوا : هذا خصوص ، وهذا متروك وليس عليه العمل .
قال أبو محمد : وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه ، كالذي يفعل مقلدو
الاحكام — صفحة 836
مساهمون: ابن حزم
ص٨٣٦