فإن قال : لم يكن قبله أحد أفضل منه ، كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم
في قوله : إننا لا ندرك بإنفاقنا مثل أحد ذهبا مد أحد من أصحابه ولا نصيفه ،
وبقوله صلى الله عليه وسلم : إنه ما من عام إلا والذي بعده دونه وقائل هذا مخالف
للاجماع ، وخارج عن سبيل المؤمنين . ولا شك عند كل مؤمن أن أبا بكر
وعائشة وعليا وعمر ومعاذا وأبيا وزيدا وابن مسعود وابن عباس - أعلم بما شاهدوا
من نزول القرآن وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل من سفيان الثوري
والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وابن القاسم وداود
ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأبي ثور .
وهؤلاء الفقهاء رحمهم الله هم الذين قلدتهم الطوائف بعدهم ما نعلم الآن
على ظهر الأرض أحدا يقلد غيرهم ، لا سيما وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري ،
ثنا علي بن الحسن بن فهر ، ثنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي ، ثنا
جعفر بن محمد الفريابي ، حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثني الهيثم بن جميل ،
قلت لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم :
حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا ، وحدثنا فلان عن إبراهيم
بكذا ، ونأخذ بقول إبراهيم . قال مالك : صح عندهم قول عمر ؟ قلت : إنما هي
رواية كما صح عندهم قول إبراهيم . فقال مالك : هؤلاء يستتابون .
قال أبو محمد : فإن قال : بلى ، قد كان من ذكرتم وغيرهم مما كان بعد
من ذكرتم ، ومع هؤلاء المذكورين ، وقبلهم أفضل منهم وأعلم بالدين . قيل له :
فلم تركت الأفضل والأعلم ، وقلدت الأنقص فضلا وعلما ؟ .
فإن قال : لأنه أتى بعض الأولين متعقبا ، قيل له : فقلد من أتى بعدهم أيضا
متعقبا على هؤلاء .
فإن كان مالكيا ، أو شافعيا ، أو حنفيا ، أو سفيانيا ، أو أوزاعيا قيل له : فقلد
أحمد بن حنبل ، فإنه أتى هؤلاء ورأى علمهم وعلم غيرهم ، وتعقب على جميعهم
ولا خلاف بين أحد من علماء أهل السنة ، أصحاب الحديث منهم وأصحاب الرأي ،
في سعة علمه وتبجحه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وفتاوى الصحابة
الاحكام — صفحة 839
مساهمون: ابن حزم
ص٨٣٩